رئاسات العراق: كوميديا سوداء في دولةٍ منهكة

كفاح محمود

  بعد كل انتخابات، لا يبدو العراق كأنه يتجه إلى تشكيل حكومة بقدر ما يعود إلى مسرح “الرئاسات الثلاث”: رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، ونظريًا، الطريق واضح، والمواد الدستورية ترسم الخطوات والآجال، لكن التجربة العملية تُثبت أن المسار لا يلبث أن يتحول إلى مفاوضات مفتوحة، تُدار بمنطق “من يملك حق التعطيل” لا بمنطق “من يملك مشروع الإنجاز”، ومن هنا يصير السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تراجيديا أم كوميديا؟ أم أنهما معًا في “تراجيكوميديا” عراقية لا تنتهي؟

  هي تراجيديا حين تُستهلك الأيام والأسابيع في صراع الأسماء، بينما تتراكم على حياة الناس ملفات الكهرباء والماء والبطالة وتآكل الخدمات وانسداد الأفق، وهي كوميديا سوداء حين يُقدَّم التوافق بوصفه فضيلة سياسية، فيما يكون في كثير من الأحيان غطاءً لمساومات على الوزارات والهيئات والامتيازات، وكأن الدولة شركة تُعاد هيكلتها لا وطن يُدار، والتنافس لا يدور غالبًا حول: من يقدّم خدمة أفضل للناس؟ بل حول: من يحجز مقعدًا أعلى، وحصة أكبر، ومظلة أوسع من الحصانة، وامتيازاتٍ لا تنتهي عند الرواتب ولا تتوقف عند النفوذ.

  العرف الذي ترسّخ منذ 2003، بتوزيع الرئاسات على المكوّنات، قُدِّم بوصفه ضمانة توازن، لكنه مع الوقت تحول إلى قيد مزدوج: لأن كل مكوّن ليس كتلة واحدة، ولأن التنافس داخل البيت الشيعي والسني والكردي يجعل حسم المنصب صراع زعامات ومراكز قوى أكثر مما هو تنافس برامج ومؤسسات، وحين تتشظى البيوت السياسية، لا يتعطل المنصب وحده، بل تتعطل معه الحلقة كلها: مفاوضات، اعتراضات، شروط متقابلة، ثم حلول تُنتَج في اللحظة الأخيرة، غالبًا بلا معنى إصلاحي.

  ولا يقف المشهد عند الداخل وحده، فالعامل الخارجي حاضر – بدرجات متفاوتة – في معادلة الاختيار: رسائل غير معلنة، توازنات إقليمية، حسابات دولية، وحرص قوى كبرى ودول جوار على أن تأتي الرئاسات متوافقة مع خطوطها الحمراء، ليس الأمر دائمًا فرضًا مباشرًا، لكنه كثيرًا ما يكون توجيهًا عبر الضغط والوساطة والوعود، أو عبر بوابة المصالح الاقتصادية والأمنية، وهكذا تُستبدل إرادة الناخب تدريجيًا بإرادة التوافقات خارج صندوق الاقتراع، ليصبح السؤال: هل نختار في بغداد أم تُستكمَل الاختيارات في العواصم؟

  ثم تأتي الحلقة الأكثر إيلامًا في هذه التراجيكوميديا: سوق المناصب، فحين تغيب الشفافية وتضعف المحاسبة، يتحول المنصب من تكليف إلى صفقة، ومن مسؤولية إلى استثمار، حيث تتردد في أحاديث السياسيين والصالونات أرقام مذهلة وعمولات، وكأن بعض المقاعد تُشترى وتُباع ببدلات نقدية هائلة، أو تُقايض بمنافع وعقود وامتيازات طويلة الأمد، ومع كل صفقة من هذا النوع، لا تُباع وظيفة فحسب، بل تُباع فكرة الدولة نفسها.

  المشكلة ليست في التفاوض بوصفه جزءًا طبيعيًا من النظام البرلماني، بل في طبيعة التفاوض: هل هو على برنامج حكم واضح، أم على حصص تُوزَّع قبل أن تُصاغ السياسات؟ الخروج من هذا المشهد لا يحتاج خطبًا أعلى صوتًا، بل قواعد أعلى إلزامًا: احترام المدد الدستورية، إعلان تحالف حاكم ببرنامج مكتوب وعلني، ربط المناصب بتعهدات قابلة للقياس، وتجريم (سوق المنصب) عمليًا عبر رقابة مالية وقضائية صارمة، عندها فقط، يتحول اختيار الرئاسات من حزورة وقرعة إلى خطوة أولى في بناء حكومة تُحاسَب بدل أن تُساوَم.

 

  • تراجيكوميديا: Tragicomedy مصطلح ادبي يمزج بين التراجيديا والكوميديا، حيث تروى المأساة بنبرة ساخرة تكشف مفارقاتها المرة!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
2 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
4 شهور

ثلاثة من اغبى(اقصد القادة والمسؤولين)شعوب العالم،الترك الفرس والعرب.
__لو أراد التركي قيام دولة كوردية،فيدرالية مع تركيا وضم الى هذه الفيدرالية غربي كوردستان وجنوبه،وشرقه لأصبحت أقوى دولة في الشرق الاوسط ،قوة ،وموارد..
___ولو أراد الفرس قيام دولة كوردية ،فيدرالية،وضموا اليها شمال وغرب وجنوب كوردستان لوصلوا الى البحر الأبيض المتوسط بدون معاداة إسرائيل..
___ولو أراد العرب وقبلوا بدولة كوردية،لتخلصوا من الترك والفرس ،وعملوا اتحاد مع إسرائيل..لكان الشرق كلها لهم…
واذا لم يعش الكوردي بسلام مثل الآخرين، لن ينعم احد منهم بسلام

زبير عبدالله
زبير عبدالله
4 شهور

ثلاثة اغبياء
الأول تركي .ماذا لو عمل على قيام دولة كوردية وضم لها بقية أجزاء كوردستان.وهذا ينطبق على الفرس ،والعرب …

اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…