مقالات

كردستان قضية مشتركة وليست ملكية حصرية: من يملك حق النقاش؟

شادي حاجي

لا خصوصية سياسية تبرر مصادرة حق الكردي في النقاش، ولا حدود جغرافية ينبغي أن تتحول إلى حواجز أمام الوعي القومي والتضامن الكردي.

أثار انعقاد جلسة برلمان إقليم كردستان، بعد تعطيل عمله قرابة عامين، وموقف حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الرافض لها، نقاشاً واسعاً بين النشطاء والسياسيين الكرد، بمن فيهم أبناء روج آڤا كردستان. وفي خضم هذا النقاش، ظهرت أصوات تشكك في حق الكردي خارج الإقليم في مناقشة شؤونه السياسية أو انتقاد مواقف أحزابه وقياداته، بذريعة احترام الخصوصية السياسية لكل جزء من كردستان.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل احترام الخصوصية السياسية يعني احتكار النقاش، أم أن لكل كردي الحق في التعبير عن رأيه في القضايا التي تمس شعبه ومستقبله؟

أولاً: البرلمان بين الخلافات الحزبية والحق المؤسسي

انتُخب برلمان إقليم كردستان في أكتوبر 2024، وعقد جلسته الأولى في الثاني من ديسمبر من العام نفسه، لكنه لم يتمكن من استكمال إجراءاته بسبب الخلافات السياسية وعدم اكتمال النصاب القانوني.

وظلت المؤسسة التشريعية معطلة وسط خلافات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حول المناصب واستحقاقات تشكيل الحكومة، الأمر الذي أثار تساؤلات جدية حول مدى جواز إبقاء مؤسسة منتخبة رهينة التفاهمات الحزبية.

وفي الرابع من نوفمبر 2026، عُقدت جلسة برلمانية بحضور 52 نائباً، وانتُخبت هيئة رئاسة البرلمان، في خطوة أنهت جانباً مهماً من حالة الجمود، رغم مقاطعة الاتحاد الوطني وعدد من القوى السياسية الأخرى.

وقد برر الاتحاد الوطني موقفه برفض ما اعتبره تجاوزاً لمبدأ التوافق والشراكة السياسية وفرضاً لإرادة الأطراف الأخرى.

وبصرف النظر عن المواقف المتباينة بشأن شرعية الجلسة وإجراءاتها، فإن القضية الأساسية تتمثل في ضرورة استعادة البرلمان دوره التشريعي والرقابي، وعدم السماح للخلافات الحزبية بتعطيل المؤسسات المنتخبة إلى أجل غير محدد.

وهذه ليست مجرد قضية إدارية تخص سكان الإقليم، بل مسألة سياسية تهم الكرد عموماً، ومن الطبيعي أن تكون موضع نقاش وتحليل من أبناء الأجزاء الأخرى من كردستان.

ثانياً: حق التعبير لا تحدده الحدود الجغرافية

من حق الكردي في روج آڤا كردستان مناقشة الأوضاع السياسية في إقليم كردستان، كما يحق للكردي في الإقليم مناقشة الأوضاع في روج آڤا كردستان، وينطبق الأمر نفسه على أبناء الأجزاء الأخرى.

فالانتماء إلى قضية قومية مشتركة لا يتوقف عند الحدود السياسية، وحرية التعبير ليست امتيازاً جغرافياً يُمنح للبعض ويُحرم منه الآخرون.

ليس من المنطقي أن نطالب بالتضامن القومي عندما نحتاج إليه، ثم نرفض حق الآخرين في إبداء آرائهم عندما يتعلق الأمر بخياراتنا السياسية.

ثالثاً: الخصوصية السياسية لا تعني احتكار النقاش

لا شك أن لكل جزء من كردستان ظروفه السياسية والاجتماعية والقانونية ومؤسساته وأولوياته الخاصة، ومن حق سكانه تقرير خياراتهم وإدارة شؤونهم دون وصاية أو تدخل من الآخرين.

لكن هناك فرق واضح بين احترام حق المجتمع في اتخاذ قراراته، وبين مصادرة حق الآخرين في النقد والتحليل وإبداء الرأي.

فالقرار السياسي الداخلي حق لأصحاب الشأن، أما النقاش والتعبير والنقد فحقوق لا تلغيها الحدود الجغرافية. وهذا ما تؤكده المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات والأفكار ونقلها دون اعتبار للحدود.

رابعاً: الأمن القومي الكردي أكبر من حدود الأجزاء

رغم انقسام الشعب الكردي جغرافياً وسياسياً بين أربع دول، فإنه يواجه تحديات مشتركة تتعلق بهويته ولغته وثقافته وحقوقه القومية ومكتسباته السياسية.

ومن الصعب الحديث عن أمن قومي كردي مشترك دون وعي سياسي مشترك، وحوار مفتوح، وتبادل للخبرات والرؤى، وقدرة على نقد السياسات التي قد تتجاوز آثارها حدود الجزء الذي تصدر عنه.

لكن هذا الترابط لا يعني فرض رؤية سياسية واحدة أو التدخل في الشؤون الداخلية لكل جزء؛ بل يعني بناء علاقة قائمة على الاحترام والتنسيق والمسؤولية المتبادلة.

فالأمن القومي المشترك لا يُبنى بالصمت والمجاملات السياسية، وإنما بالحوار والنقد والمساءلة والثقة المتبادلة.

خامساً: القضية الكردية ليست ملكاً للأحزاب

من الضروري التمييز بين الشعب الكردي وقضيته القومية من جهة، والأحزاب والحكومات والإدارات السياسية من جهة أخرى.

فلا حزب يمثل الشعب الكردي بأكمله، ولا حكومة أو إدارة سياسية تملك حق احتكار القضية القومية واختزال مصالح الشعب في حساباتها الحزبية.

إن نقد حزب أو قيادة أو مؤسسة سياسية لا يعني العداء للشعب الذي تنتمي إليه، ولا الانتقاص من خصوصية الجزء الذي تمارس فيه نشاطها.

بل إن النقد والمساءلة ضرورة لأي حياة سياسية سليمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات منتخبة وقرارات تؤثر في حاضر الشعب ومستقبله.

وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لدى بعض الأصوات التي تطالب بمنع أبناء روج آڤا كردستان من مناقشة شؤون إقليم كردستان بحجة عدم الإحاطة بتعقيداتها أو عدم القدرة على تقديم الحلول، لكنها في المقابل لا تتردد في تقديم المواقف والنصائح والانتقادات بشأن شؤون الإقليم.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: إذا كان اختلاف المكان أو عدم الإحاطة الكاملة بالتفاصيل يسقط حق الآخرين في النقاش، فلماذا لا يُطبّق المعيار نفسه على من يتبنون هذا الموقف؟

إن المسؤولية القومية لا تعني احتكار الحقيقة، بل تعني احترام تجارب الأجزاء الأخرى، وتبادل الرأي معها، والابتعاد عن المعايير المزدوجة والتخوين والإقصاء.

خاتمة: الخصوصية حق، وحرية النقاش حق أيضاً

لسنا مع الوصاية على إقليم كردستان، ولا مع التدخل في خيارات سكان روج آڤا كردستان أو أي جزء آخر. إنما ندافع عن مبدأ واضح: لكل جزء خصوصيته السياسية وحقه في تقرير شؤونه الداخلية، ولكل كردي حقه في التعبير عن رأيه ومناقشة القضايا التي تمس شعبه ومستقبله.

إن تعطيل البرلمان والخلافات الحزبية حول عمله ومستقبل المؤسسات المنتخبة قضايا مشروعة للنقاش الكردي العام، وليست ملفات مغلقة لا يحق لأحد خارج حدود الإقليم تناولها.

فالحدود السياسية قد تفصل بين الإدارات والكيانات، لكنها لا تلغي الروابط القومية، ولا تصادر حرية التعبير، ولا تجعل القضية الكردية ملكية سياسية حصرية لحزب أو حكومة أو جزء جغرافي.

إذا كنا نؤمن بالمصلحة القومية الكردية العليا وبأمن قومي كردي مشترك، فعلينا أن نؤمن أيضاً بحرية النقاش والاختلاف والنقد، وأن نرفض التخوين وازدواجية المعايير.

كردستان قضية شعب، وليست ملكية حزب أو حكومة. واحترام الخصوصية لا يعني احتكار النقاش، والتضامن القومي لا يعني الوصاية، والأمن المشترك لا يعني إلغاء خصوصيات الأجزاء.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى