مقالات

القضية الكوردية بين الحقوق القومية وحسابات المصالح الأمريكية والإسرائيلية.. هل الكورد قضية استراتيجية أم ورقة ضغط في صراعات الشرق الأوسط؟

شكري بكر
لم تعد القضية الكوردية مجرد قضية قومية مرتبطة بحقوق شعب موزع بين أربع دول، بل أصبحت جزءاً من معادلات التوازنات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما طرفين يتقاطع اهتمامهما بالملف الكوردي مع مصالحهما الاستراتيجية، ولا سيما في مواجهة النفوذ الإيراني وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
لكن السؤال الجوهري هو: هل تنظر واشنطن وتل أبيب إلى الكورد باعتبارهم شعباً يمتلك حقوقاً قومية وسياسية مشروعة، أم باعتبارهم ورقة يمكن توظيفها في صراعاتهما الإقليمية؟
تُظهر التجارب العراقية والسورية أن السياسة الأمريكية تجاه الكورد ارتبطت بدرجة كبيرة بالمصالح الاستراتيجية.
ففي العراق، ساهم الدعم الأمريكي في ترسيخ البيئة السياسية التي مكّنت إقليم كوردستان من بناء مؤسساته الدستورية، بينما شكل التحالف مع قوات سوريا الديمقراطية محطة مهمة في الحرب على تنظيم داعش.
ومع ذلك لم يتحول هذا التعاون إلى التزام أمريكي بمشروع قومي كوردي مستقل، إذ بقيت واشنطن توازن بين علاقاتها مع الكورد ومصالحها مع بغداد وأنقرة ودمشق.
أما إسرائيل، فقد ارتبطت علاقاتها التاريخية مع الكورد بتقاطعات أمنية وسياسية، وتكتسب هذه العلاقات أهمية إضافية في ظل المواجهة مع النفوذ الإيراني.
لكن التقاطع في المصالح لا يعني بالضرورة تبني المشروع القومي الكوردي أو تقديم ضمانات لمستقبله، فإسرائيل شأنها شأن القوى الدولية الأخرى، تتحرك وفق حساباتها الأمنية والاستراتيجية.
وتبرز كوردستان إيران باعتبارها إحدى الساحات الحساسة في هذه المعادلة، إذ يمكن أن يتحول وجود قوى كوردية معارضة لطهران إلى عنصر ضغط في أي مواجهة إقليمية.
غير أن توظيف هذه القوى لإضعاف النظام الإيراني يختلف جذرياً عن دعم حقوق الشعب الكوردي وضمان مستقبله السياسي. وهنا تكمن خطورة الرهان على التحالفات الظرفية دون ضمانات واضحة.
لكن المسؤولية لا تقع على القوى الدولية وحدها، فالانقسام الحزبي الكوردي وغياب المرجعية السياسية الجامعة يضعفان القدرة على التفاوض، ويجعلان القضية أكثر عرضة للتوظيف ضمن حسابات الآخرين.
فالقوى الدولية لا تتعامل مع الفراغ السياسي بوصفه فرصة لتحقيق تطلعات الشعوب بالضرورة، بل وفق ما تقتضيه مصالحها.
من هنا تحتاج الحركة السياسية الكوردية إلى مراجعة استراتيجيتها، والانتقال من انتظار الدعم الخارجي إلى بناء مشروع وطني مستقل، يقوم على توحيد الموقف السياسي، وتطوير العلاقات الدولية المتوازنة، وتحويل التقاطعات الاستراتيجية إلى تفاهمات سياسية تضمن الحقوق القومية، بعيداً عن التبعية والرهانات المؤقتة.
إن القضية الكوردية ليست ورقة أمريكية أو إسرائيلية، بل قضية شعب يمتلك حقوقاً وتطلعات مشروعة.
غير أن واشنطن وتل أبيب، مثل غيرهما من القوى الدولية، قد تتعاملان معها من زاوية المصالح والضغوط الإقليمية.
وفي المحصلة، لا تكمن المعضلة الكوردية في البحث عمّن يدعمها دولياً فحسب، بل في امتلاك القدرة على تحويل هذا الدعم إلى مكاسب سياسية مستدامة.
فالدعم الخارجي قد يفتح الأبواب، لكنه لا يصنع المستقبل نيابة عن أصحاب القضية ومن لا يمتلك قراره المستقل، قد يجد نفسه ورقة في حسابات الآخرين بدلاً من أن يكون شريكاً في صناعة القرار.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى