مقالات

مشروع السلام في شمال الوطن

محي الدين حاجي

في عام 1977 زار الرئيس المصري أنور السادات للكنيست الاسرائيلية وخاطب فيها بكلمة مطولة لعقد اتفاق سلام مع اسرائيل ومنها:

السلام عليكم والسلم علينا جميعا. ( لنواجه الواقع بشجاعة وأن الخاسر الوحيد في الحروب هو الإنسان). (اتيت الى هنا ليس من باب الضعف بل من باب الشجاعة والمواجهة بالحقيقة لنتوصل الى السلام الحقيقي).

فهل يستطيع القائمين على مشروع السلام في شمال الوطن مناشدة الدولة التركية في برلمانهم كما فعلها انور السادات :

نحن ابناء الجبال والسجون نوجه لكم بمشروعنا للسلام واخوة الشعوب لا من موقع الضعف أو الانكسار، ولا من باب التوسل أو المهادنة، بل من موقع القوة الأخلاقية والتاريخية والشعبية لأمة تجذرت في أرضها منذ آلاف السنين، وخاضت أعتى المعارك دفاعاً عن وجودها وكرامتها.

إن الحديث عن السلام، أو إلقاء السلاح، أو فتح أبواب الحوار السياسي، ليس خضوعاً ولا تراجعاً ولا استسلاماً؛ بل هو قرار الشجعان والأقوياء الذين يملكون خيار الحرب والسلم بملء إرادتهم، والمسؤولية أمام شعبنا والتاريخ والعالم.

بطشكم لم يكسرنا ولن يبيدنا نقولها لكم بوضوح وصراحة وبشفافية خضنا ضدكم عشرات الثورات والانتفاضات، وقتلنا العشرات والمئات من جنودكم، ورغم كل ثقل القوة العسكرية لم تستطيعوا إخراجنا من أرضنا ولا كسْر إرادتنا، قتلتم الآلاف من أبنائنا وبناتنا رجالنا ونسائنا، وحرقتم الآلاف من قرانا، ودمرتم منازلنا، واستخدمت أعتى العتاد والآلات العسكرية التي تملكونها، ومع ذلك لم ولن تستطيعوا إبادتنا أو محونا من الوجود.

لقد حاربنا في الجبال والسهول ، قاومنا في أعتى السجون والزنازين حتى فاضت بزهور شبابنا وبناتنا، و تظاهرنا في كل عواصم العالم، وواجهنا كل محاولات مسح هويتنا ووجودنا عندما وصفتمونا بـ “أتراك الجبال والإرهاب” وحظرتم لغتنا، وأغانينا، وثقافتنا، واعيادنا.هذه هي الحقيقة العارية التي يجب أن تعرفوها جيداً إن القوة العسكرية لم ولن تحسم هذا الصراع، والبطش لم يزدنا إلا صلابة وتمسكاً بحق شعبنا في الحرية والعيش بسلام.

كفانا تصرفاً كمن يدفن رأسه في الرمال إن الحقائق التاريخية والجغرافية لا تُزيفها القرارات السياسية ولا الترسانات العسكرية.

فلا سلام دون الاعتراف بارض اسمها كردستان .كردستان أرضاً وكيانا هي حقيقة واقعة ووطن تاريخي للشعب الكردي وللشعوب المتعايشة معه، مثلها تماماً مثل تركيا للشعب التركي. ولا يمكن الحديث عن أي أخوة أو تعايش دون الاعتراف الدستوري الصريح بالهوية القومية الكردية، وباللغة الأم، وبالحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية كاملة غير منقوصة.إن يد السلام والأخوة التي نمدها اليوم هي يد الشراكة والكرامة والتعايش المشترك والمساواة بالحقوق والواجبات، لا على قاعدة التبعية أو الإخضاع.

على الدولة التركية أن تدرك جيداً أن صوت هذا الشعب لا يمكن إسكاته. إذا فشلت هذه المبادرة اليوم بسبب التعنت أو أنصاف الحلول أو محاولات الالتفاف على الحقوق الجوهرية، فإن القضية لن تنتهي، والنضال لن يتوقف.إن الشعوب التي تبني الحضارات وتستقر في جبالها وسهولها لا تموت إرادتها؛ وسوف تنهض أجيال جديدة أكثر قوة، وإصراراً، وعزيمة، لتواصل المقاومة وتطالب بالحرية والكرامة حتى نيل الحقوق كاملة.إن الخيار اليوم بات واضحاً أمام البرلمان والحكومة التركية إما سلام الشجعان القائم على الاعتراف بالشعب الكردي وارضه كردستان، والاعتراف بشجاعة بأخطاء الماضي وتجاوز المآسي لبناء مستقبل قائم على العدل والكرامة والأخوة الحقيقية في تركيا الجديدة. أو مواجهة إرادة شعب حرة لا تنكسر، ومقاومة مستمرة لا تعرف الاستسلام حتى انتزاع كامل الحقوق المشروعة.

نمد أيدينا اليوم إلى كل من يملك الإرادة الصادقة للسلام والأخوة الحقيقية. إن التسامح ليس نسياناً للحقوق، بل هو لرفع أحقاد الماضي من أجل خلق مستقبل يتسع للجميع. دعونا نضع حداً لسفك الدماء، ونبني معاً جغرافيا الازدهار والحرية والكرامة، ونفتح للأجيال القادمة أفقاً جديداً يستبدل بارود الحرب بزهور المصالحة والأمل .

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى