مقالات

أزمة الديمقراطية في الحركة الكردية

مسلم شيخ حسن – كوباني

إن أول ما ينبغي على الحركة السياسية الكردية في جميع أجزاء كردستان أن تدركه هو أن النضال من أجل الحرية والحقوق القومية لا ينفصل عن الإيمان الحقيقي بالديمقراطية وممارستها. فلا يمكن لحركة سياسية أن تطالب الشعب والدولة باحترام حقوقها، بينما تعجز عن احترام الديمقراطية داخل مؤسساتها وأحزابها ولا تستطيع إدارة صراعاتها الداخلية وفقاً لقواعد الانتخابات ومبدأ الأغلبية والأقلية، والاحتكام إلى المؤسسات والقوانين.

إن أساس الأزمة التي تعاني منها الحركة السياسية الكردية منذ عقود لا يكمن فقط في تعدد الأحزاب وتنوع المشاريع والتوجهات السياسية بل في غياب ثقافة ديمقراطية حقيقية لدى العديد من قادتها وإصرار بعض الأطراف على التعامل مع الأحزاب والمؤسسات وكأنها ملكيات خاصة، تدار وفق الأهواء والمصالح الشخصية والحزبية، لا وفق إرادة القواعد والهيئات التنظيمية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أحزاب ترفع شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الشعوب، لكنها لا تتقبل نتائج الانتخابات، وتتجاهل الآراء المخالفة، ولا تقبل أن تكون في موقع الأقلية. وكأن الديمقراطية حق لها عندما تكون في موقع الأغلبية، لكنها تصبح موضع اعتراض عندما تأتي نتائجها على غير ما تشتهي.

إن الانقسامات والتشرذمات المتكررة التي عانت منها الحركة السياسية الكردية خلال العقود الماضية لم تكن مجرد خلافات عابرة أو اختلافات في الرأي. بل على العكس، فهي غالباً ما تعكس عجزاً سياسياً وتنظيمياً عن إدارة الصراعات بالوسائل الديمقراطية. فبدلاً من اللجوء إلى المؤسسات والحوار وصناديق الاقتراع، لجأت أحزاب كثيرة إلى الانشقاق وتأسيس أحزاب جديدة، وكأن المشكلة تكمن دائماً داخل الحزب، لا في الوعي السياسي الذي يعيد إنتاج الأزمة نفسها بأسماء وقيادات وشعارات مختلفة.

والأمر الأكثر إيلاماً هو أن هذه الانشقاقات لم تحقق أي مكاسب حقيقية للقضية الكردية، ولم تقرب الشعب الكردي من حقوقه القومية المشروعة. بل على العكس، ساهمت هذه الانقسامات في إضعاف قواهم السياسية، وتشتيت طاقاتهم، واستنزاف إمكانياتهم، وتعميق أزمة الثقة بين الجماهير والأحزاب. فكم من انقسامات روج لها على أنها تصحيحاً وإنقاذاً للمشروع السياسي، لتنتهي بتكرار الممارسات نفسها التي تسببت في الانقسام الأول؟ كم من قادة رفعوا شعار الوحدة والتغيير، لكنهم فشلوا في تطبيق أبسط مبادئ الديمقراطية داخل حزبهم ؟

إن القضية الكردية أسمى من الأحزاب وقادتها ومناصبهم التنظيمية، ولا يجوز أن تبقى رهينة الحسابات الحزبية والصراعات على النفوذ والسلطة. فالشعب الكردي الذي دفع ثمناً باهظاً من التضحيات والمعاناة والحرمان، لا يستحق أن تتحول قضيته إلى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الاتهامات، ولا ينبغي أن تعرقل تطلعاته القومية بسبب عجز القادة عن التوصل إلى اتفاق أو قبول نتائج العملية الديمقراطية.

في هذا السياق، تبرز الخلافات الأخيرة بين الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق، بعد عقود من التكاتف والتعاضد والتعاون بين القوى الكردية، بوصفها مصدر قلق حقيقي، لا سيما في ظل التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجه الإقليم. ومن المؤسف أن تعود الخلافات الداخلية إلى الواجهة في مرحلة تشتد فيها الحاجة إلى أعلى مستويات المسؤولية السياسية والقومية والتضامن في مواجهة التحديات، بدلاً من الانشغال بصراعات قد تهدد ما تحقق من مكتسبات وتجعل الإقليم أكثر عرضة لضغوط المتربصين به.

إن تجاوز هذه الأزمة لا يتطلب بيانات سياسية جديدة أو مبادرات إعلامية موجهة للجمهور بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وقبولاً صريحاً لنتائج الانتخابات والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية واحترام مبدأ الأغلبية والأقلية. فالأغلبية الحق في إدارة المؤسسات وفقاً للقانون، وللأقلية الحق في المعارضة والمراقبة والمشاركة. ولا يحق لأي حزب احتكار عملية صنع القرار أو شل المؤسسات لمجرد عدم تحقيقه النتائج المرجوة.

يجب على القادة الكرد أن يدركوا أن الديمقراطية ليست مجرد شعار يرفع في المؤتمرات والبيانات، ولا أداة للاستيلاء على السلطة ثم التخلي عنها عند أول اختبار بل هي ثقافة سياسية وممارسة يومية تبدأ من داخل الحزب، وتمتد عبر مؤسساته، وصولاً إلى إدارة شؤون المجتمع والدولة. من لا يحترم الديمقراطية داخل حزبه لن يتمكن من بناء مشروع ديمقراطي حقيقي لشعبه.

حان الوقت للحركة السياسية الكردية أن تعيد تقييم تجاربها المريرة، وأن تكف عن تكرار الأزمات والانقسامات نفسها، وأن تتحرر من ثقافة القيادة المطلقة والولاءات الشخصية والحزبية الضيقة. ليس الهدف أن تتبنى جميع الأحزاب الرؤية والبرامج نفسها، بل أن تتفق على مبادئ ديمقراطية لإدارة خلافاتها وتحويل التنوع السياسي من مصدر للتشرذم إلى مصدر للقوة والوحدة.

المأساة الحقيقية لا تكمن في الصراعات بين الأحزاب الكردية، بل في عجزها عن إدارة هذه الصراعات ديمقراطياً وحضارياً. فالشعوب لا تخسر حقوقها بسبب اختلاف الآراء بل على العكس، تتكبد خسائر فادحة عندما تتحول خلافاتهم إلى صراعات داخلية تستنزف قواهم وتحرمهم من فرصهم التاريخية.

لا تحتاج القضية الكردية إلى مزيد من الأحزاب المتشرذمة، ولا إلى قادة يتنافسون على السلطة والنفوذ، بل إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية وقادة يتحلون بالشجاعة للاعتراف بالأخطاء، واحترام إرادة قواعدهم وأنصارهم، وتقديم المصالح القومية على المصالح الحزبية والشخصية. إما أن تتعلم الحركة الكردية من تجاربها وتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، أو ستبقى عالقة في نفس الحلقة المفرغة، وستدفع الأجيال القادمة ثمن إخفاقات قادة لم يتعلموا من دروس الماضي.

7 / 11 / 2026

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى