محمدأمين سعدون.
اليوم، يواجه إقليم كردستان الفيدرالي واحدة من أعقد أزماته السياسية منذ تأسيس كيانه الدستوري، إثر الانقسام الحاد حول عقد الجلسة الأولى للبرلمان وانتخاب رئاسته بـ 52 عضواً فقط. هذا المشهد لا يمثل مجرد خلاف عابر، بل هو ذروة لانسداد سياسي، يهدد وحدة الإقليم الكيانّية والاقتصادية في ظل تحديات ومتغيرات إقليمية ودولية غير مسبوقة.
من المعلوم بأن الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الرئيس ،مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة السيد، بافل الطالباني، ليس وليد اللحظة، بل يمتد جذوره إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتعمق ذلك الخلاف خلال الحرب الداخلية في التسعينيات. ورغم صياغة الاتفاق الاستراتيجي لاحقاً لإدارة الإقليم و لتقاسم السلطة، إلا أن التنافس التقليدي على النفوذ، والسيطرة على الموارد المالية والإدارية والمناصب السيادية، وإدارة الملفات الأمنية بين أربيل والسليمانية، ظل يشكل قنبلة موقوتة، تنفجر عند كل استحقاق انتخابي أو متغير سياسي.
من الناحية القانونية، يرى الحزب الديمقراطي أن عقد الجلسة بحضور 52 عضواً (الأغلبية المطلقة + 1 من أصل 100) هو إجراء قانوني سليم يستند إلى تحقيق النصاب القانوني والعددي لتمرير رئاسة البرلمان. بالمقابل، تستند مقاطعة وشرعية موقف السيد بافل الطالباني إلى العملية التفاهمية والتوافقية التي بني عليها الإقليم؛ فمفهوم الشرعية هنا يتجاوز الأغلبية العددية البسيطة إلى الشرعية المكوناتية والسياسية. خطوة السيد، بافل الطالباني، بالتهديد بسحب الوزراء والتلويح بـحكومتين، تعكس رفضاً قاطعاً لما حدث في جلسة البرلمان، وتذكيراً بأن الإقليم لا يمكن إدارته دون توازن حقيقي بين القوتين الرئيستين أولاً، والقوى الأخرى الفاعلة ثانياً.
إن المضي في هذا الانقسام يحمل آثاراً كارثية على مستقبل الإقليم السياسي والاقتصادي، والعودة لنظام الإدارتين (أربيل والسليمانية) والموجودة فعلياً على الأرض منذ السنوات، وهذا سيقوض المكتسبات التاريخية للكرد وسيعمق الأنقسام القائم أكثر فأكثر، وينهي بالتالي مفهوم الكيان الموحد.
علماً بأن الإقليم يعاني أصلاً من أزمات وخلافات إدارية ومالية داخلية وأزمة ثقة عميقة مع بغداد، سواء ما يتعلق بالمناطق المتنازعة عليها أو المستحقات المالية والقانونية من قانون تصدير النفط والغاز و الرواتب والميزانية الاتحادية.
بالتأكيد هذا التشرذم والأنقسام والخلافات الداخلية العميقة، ستضعف موقف الإقليم التفاوضي وسيسهل محاولات ودعوات قوى داخلية و إقليمية ودولية لتقليص صلاحيات الإقليم الدستورية أو تقوية أصوات دمجه مع المركز.
وتبرز خطورة ربط ملف نزع سلاح المليشيات والحشد الشعبي بسلاح البيشمركة؛ فالبيشمركة تُعتبر وفق الدستور الفيدرالي حرس الإقليم الشرعي، وخلط الأوراق هنا يهدد الخصوصية الإدارية و الأمنية لإقليم كردستان.
ولكن لا زال الأمل قائماً والفرص كثيرة وهناك خيارات ممكنة، وتتحرك حالياً مبادرات ووساطات حثيثة من أصدقاء الشعب الكردي وحلفائه والأمل الكبير والعيون تنتظر تحرك مهندس الدبلوماسية الكردستانية، الأخ نيجيرفان البارزاني، رئيس إقليم كردستان، وإلى جانب مساعي شخصيات سياسية وأكاديمية ودعوات من أحزاب سياسية كردية وعربية عراقية ومن الأجزاء الأخرى من كردستان، العودة إلى طاولة الحوار والتفاهم والتقارب لرأب الصدع وحل المشاكل العالقة. ورغم حسن هذه المساعي، فإن نجاحها يبقى رهيناً بمدى استعداد الحزبين الرئيسيين لتقديم تنازلات مؤلمة. فالأصدقاء والأخوة؛ يمكنهم تقريب وجهات النظر، لكنهم لا يملكون بدائل عن الإرادة السياسية الداخلية الكردية.
في النهاية، ينبغي أن ندرك بإن أمام الإقليم أستحقاقات أكبر ومهام أصعب، وأن البنية التحتية القوية والحركة العمرانية النشطة والتطورات التي شهدتها الإقليم على مدار ثلاثة عقود، ستبقى هشة وغير منتجة اقتصادياً ولا يمكن التفكير بها للوصول إلى مصافي الدول والقوى الانتاجية الواعدة والمزدهرة؛ ما لم تستند إلى إرادة سياسية موحدة، تتجاوز الحسابات والمكاسب الحزبية الضيقة والأفكار الايديولوجية، وتضع التنمية الإنتاجية على رأس أولوياتها وأصلاح النظم والبيئة الاستثمارية وتفعيل أستراتيجية تنويع الاقتصاد. وتتطلب ذلك كله أولاً وآخراً؛ استقرار سياسي وأمني مستدام ومجلس تشريعي ونظام مصرفي متطور وعصري.
إن المخرج الوحيد لتفادي الكارثة الحقيقية التي تهدد الإقليم حالياً، ليس بالوقوف مع طرف ضد طرف أو دعم طرف وإدانة آخر، هذا جله لا يفيد بشيء، سوى خلط الأوراق وتعميق الشرخ؛ إنما مصلحة الإقليم الاستراتيجية، تتطلب تجميد عقلية وسياسة كسر العظم وأبتلاع الخصم، والعودة إلى طاولة حوار وطني شامل، يضمن الشراكة الحقيقية والعملية التوافقية بين جميع القوى الفاعلة، معتمداً نظام الجدارة في الحكم والتنوع في الأنتخابات والتكليف والتعيينات في المناصب السيادية والإدارية، لأن البديل هو ضياع المنجز التاريخي والقضاء على الحلم الكردي والذي دفع ثمنه أرواح نقية وتضحيات جسام.



