مقالات

برلمان كردستان يعود بعد عامين… وانسحاب بافل طالباني يفتح باب الانقسام

مزكين حاجو
في الرابع من تشرين الثاني 2026، قرع جرس برلمان إقليم كردستان مجدداً بعد تعطيل استمر أكثر من عامين منذ الجلسة الافتتاحية في 2 كانون الأول 2024. حضر 52 نائباً من أصل 100، مكتملين النصاب القانوني (50+1)، وانتخبوا هيئة رئاسة جديدة بالإجماع تقريباً: الدكتورة ڤالا فريد (من الحزب الديمقراطي الكردستاني) رئيسة للبرلمان، ورامي نوري (ممثل الكوتا المسيحية) نائباً لها، ومنى قهوجي (من حزب الإصلاح التركماني) سكرتيرة.​

الجلسة كانت استمراراً للجلسة الأولى المفتوحة منذ 2024، وجاءت بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2024 التي فاز فيها الديمقراطي الكردستاني بـ39 مقعداً، والاتحاد الوطني بـ23، وحركة الجيل الجديد بـ15. طوال الفترة الماضية فشلت المفاوضات بين الحزبين الرئيسيين في التوافق على تقاسم المناصب وتشكيل الحكومة العاشرة، فظلت الحكومة السابقة برئاسة مسرور بارزاني تمارس تصريف الأعمال.

خلفية الجمود ومواقف الأطراف

قاطع الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة الجيل الجديد الجلسة رسمياً، معتبرينها غير توافقية، رغم حضور عدد محدود من نوابهما (ثلاثة من كل كتلة تقريباً) الذين انشق بعضهم أو حضروا بشكل فردي. رحب مسعود بارزاني بالعودة إلى العمل البرلماني، واتهم الطرفين بالمسؤولية عن التعطيل، بينما دعا إلى مشاركة الجميع. أما الجانب الآخر، فوصف الخطوة بأنها محاولة فرض واقع جديد دون توافق وطني.​

في اليوم التالي مباشرة (5 تشرين الثاني)، أعلن بافل جلال طالباني، رئيس الاتحاد الوطني، انسحاب حزبه من حكومة الإقليم. في كلمة مصورة بعد اجتماع للمجلس القيادي منحته صلاحيات كاملة، وصف الحكومة بـ”الفاشلة” التي لم تقدم شيئاً للمواطنين طوال عامين من تصريف الأعمال، مشيراً إلى فروقات أسعار الوقود والنفط مع بغداد، وفشل المفاوضات رغم زياراته المتكررة إلى أربيل (أكثر من 15 مرة). أكد عدم الاعتراف بالبرلمان أو أي قرارات أو مناصب تصدر عنه، ولوّح برد موازٍ: “إذا عينتم رئيساً للإقليم سنعين رئيساً، وإذا شكلتم حكومة سنعين حكومة، وحتى الوزراء”. شدد في الوقت نفسه على رفض إراقة الدماء.​

مدى خطورة الانسحاب على الإقليم

الانسحاب ليس مجرد خطوة سياسية روتينية. الاتحاد الوطني شريك تقليدي في السلطة منذ عقود، ويسيطر على مناطق واسعة في السليمانية وحلبجة وكرميان، ولديه نفوذ في الأجهزة الأمنية والبيشمركة والمؤسسات الاقتصادية. تهديده بتشكيل مؤسسات موازية يفتح الباب أمام سيناريو “إدارتين” داخل الإقليم الواحد، يذكر بالانقسام الذي عاشه الإقليم في التسعينيات بين أربيل والسليمانية.

المخاطر الرئيسية تشمل:

– انقسام مؤسسي وإداري: صعوبة اتخاذ قرارات موحدة في الملفات الحيوية (الميزانية، النفط والغاز، الرواتب، العلاقات مع بغداد، والأمن). حكومة أربيل قد تواصل عملها بدعم الديمقراطي والمستقلين والأقليات، لكن شرعية قراراتها ستكون محل طعن في مناطق نفوذ الاتحاد.

– أزمة اقتصادية واجتماعية: الإقليم يعاني أصلاً من تأخر الرواتب والمشكلات المالية مع بغداد. الانقسام يزيد من تعقيد توزيع الموارد ويفاقم معاناة المواطنين.

– ضعف الموقف التفاوضي مع بغداد والمجتمع الدولي: الإقليم يحتاج وحدة الصف في مواجهة الملفات العالقة (حصة الموازنة، تصدير النفط، المناطق المتنازع عليها). الانقسام يضعف هذا الموقف ويشجع أطرافاً خارجية على الاستغلال.

– مخاطر أمنية محتملة: رغم تأكيد طالباني على رفض العنف، فإن التوتر بين الحزبين التاريخيين قد ينتقل إلى الشارع أو الأجهزة الأمنية إذا تصاعدت التعيينات الموازية أو محاولات السيطرة على المؤسسات.

في المقابل، يرى بعض المراقبين أن الخطوة قد تكون ضغطاً تفاوضياً أكثر منها انفصالاً دائماً. تاريخ الحزبين مليء بالخلافات الحادة التي انتهت بتسويات براغماتيه، خاصة مع وجود مصالح مشتركة في الحفاظ على كيان الإقليم. عودة البرلمان، حتى لو بمقاطعة، تعيد مؤسسة دستورية إلى العمل وتفتح الطريق أمام انتخاب رئيس الإقليم وتشكيل حكومة جديدة، وهو ما دعا إليه الدبلوماسيون الأجانب الذين التقوا الرئاسة الجديدة.​

ما يجري الآن ليس مجرد خلاف على مناصب، بل اختبار لقدرة النظام السياسي في كردستان على إدارة التعددية الحزبية دون الانزلاق إلى الانقسام الجغرافي والمؤسسي. انسحاب بافل طالباني يرفع مستوى المخاطر بشكل ملحوظ، لأنه يحول الجمود السياسي إلى مواجهة علنية قد تهدد وحدة الإقليم وشرعيته. الحل يكمن في العودة السريعة إلى طاولة التفاوض الجاد، مع احترام نتائج الانتخابات وآليات البرلمان، وإلا فإن الإقليم قد يدخل مرحلة طويلة من الازدواجية الإدارية التي تدفع ثمنها المواطنون أولاً.

السويد 2026/11/6

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى