مقالات

العالم في مأزق وسوريا أمام اختبار بناء الدولة

سكينة حسن

لم يعد العالم يواجه أزمة سياسية أو عسكرية واحدة يمكن احتواؤها بل أصبح أمام شبكة متداخلة من الأزمات التي تتراكم دون حلول واضحة وكأن المنظومة الدولية فقدت قدرتها على ضبط التوازنات وإدارة الصراعات

فالحرب الروسية الأوكرانية ما زالت تستنزف روسيا وأوكرانيا وأوروبا وتلقي بظلالها على الأمن والطاقة والاقتصاد العالمي فيما تتسع الهوة بين الشرق والغرب وسط تصاعد المخاوف من مواجهة دولية أوسع

وفي الولايات المتحدة أضافت سياسة دونالد ترامب المزيد من الارتباك إلى المشهد الدولي من خلال التعامل مع الحلفاء بلغة الضغوط والمصالح الأحادية والتلويح بالرسوم الجمركية والتشكيك في الالتزامات والتحالفات التقليدية الأمر الذي أثار تساؤلات جدية حول مستقبل الثقة بالدور الأمريكي في ظل سياسة لا تبحث عن حلول حقيقية بقدر ما تبقي الأزمات مفتوحة وتزيد من تعقيدها

أما الحرب مع إيران التي دخلت شهرها التاسع فقد كشفت صعوبة حسم الصراعات بالقوة العسكرية وحدها وأدخلت المنطقة في حالة من الاستنزاف الأمني والاقتصادي والسياسي دون الوصول إلى تسوية مستقرة وذلك بعد أن التزمت الولايات المتحدة الصمت طيلة عقود أمام تمدد النفوذ الإيراني على حساب دول المنطقة الحليفة لها

وقد جاءت نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني لتمنح الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس وتضع إدارة ترامب أمام قيود سياسية وتشريعية جديدة في ظل تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة في العالم

وفي الشرق الأوسط تبدو السياسة الأمريكية أمام اختبارات صعبة فإسرائيل تواصل فرض وقائع ميدانية وتوسيع هامش تحركاتها بينما تتزايد الأعباء السياسية والأمنية على حلفاء واشنطن في المنطقة ويجد نتنياهو نفسه أمام معادلات إقليمية ودولية أكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل الانتخابات الإسرائيلية التي وضعت مستقبله السياسي أمام تحد كبير بعد أن حرمته نتائجها من الأغلبية التي تخوله تشكيل حكومة إسرائيلية الأمر الذي يدفعه إلى استغلال الوقت الضائع لخلط الأوراق قدر الإمكان بما في ذلك على الحدود السورية

ولم تقتصر تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة والحرب على إيران على منطقة محددة بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي حيث تراجعت الثقة والاستقرار وازدادت مخاطر اضطراب أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار وأصبحت الدول أكثر انشغالا بحماية مصالحها ومواجهة الاحتمالات القادمة بدلا من التعاون لمعالجة الأزمات المشتركة

وفي بلدنا سوريا التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب والدمار كانت الآمال معقودة على أن يتحول الانفتاح الدولي والعربي ورفع العقوبات والإشادات بالرئيس أحمد الشرع من قبل الولايات المتحدة ومعظم دول العالم إلى دعم اقتصادي حقيقي ومشاريع لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار في البلاد لكن الفجوة ما زالت كبيرة بين الوعود السياسية ومتطلبات التعافي في وقت تستمر فيه الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية دون ردع دولي فاعل مما يضع الدولة السورية أمام تحديات تتجاوز إمكاناتها في هذه المرحلة الحساسة

كما أن الحكومة السورية نفسها لم توسع دائرة المشاركة الوطنية لتشمل قوى الثورة بما يتناسب مع تضحيات السوريين طيلة أربعة عشر عاما ولم تعالج ملف الاندماج من جذوره بل أبقته مفتوحا دون ضوابط واضحة الأمر الذي يشكل عامل ضغط على سكان المنطقة وعلى استقرار البلاد ناهيك عن غياب فرص العمل وتعثر تنشيط الدورة الاقتصادية واستمرار الغلاء الفاحش الذي يهدد مستقبل البلاد ويدفع بالحالة الأمنية نحو مزيد من الفوضى والمخاطر

وفي الختام فإن أخطر ما في المشهد الدولي ليس استمرار الحروب وحده بل عجز القوى الكبرى عن بلورة مسارات سياسية جادة لإنهائها وتحول الرؤية الدبلوماسية إلى مجرد إدارة مؤقتة للأزمات بدلا من البحث عن حلول حقيقية ومستدامة

وذلك في الوقت الذي تنشغل فيه الدول بإعادة التسلح وتعزيز قدراتها العسكرية عبر ميزانيات ضخمة تتجاوز المعقول    مما يدق ناقوس الخطر بشأن تراجع مساحة التعاون الدولي وتزايد احتمالات سوء التقدير والمواجهة غير المحسوبة

إن العالم اليوم أمام مفترق طرق تاريخي فإما أن تستعيد القوى الكبرى لغة الحوار والمسؤولية والتوازن وإما أن تستمر سياسة فرض الأمر الواقع وتراكم الأزمات حتى تصل البشرية إلى مرحلة يصبح فيها ثمن الخطأ أكبر من قدرة الجميع على احتماله

فالمشكلة لم تعد فيمن يمتلك القوة لفرض إرادته على العالم بل فيمن يمتلك الحكمة لمنع العالم من الانزلاق إلى كارثة لا ينجو منها أحد.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى