مقالات

من واشنطن إلى كردستان: عندما تتغير موازين القوة… هل تتعلم الأحزاب الكردية من دروس الانتخابات الأمريكية؟

شادي حاجي

خسارة الجمهوريين وفوز الديمقراطيين رسالة إلى القوى الكردية: لا تراهنوا على الأشخاص، ابنوا المؤسسات، ولا تنتظروا الحلفاء كي يصنعوا مستقبلكم.

ليست أهمية الانتخابات النصفية الأمريكية لعام 2026 مقتصرة على خسارة الحزب الجمهوري واستعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي الكونغرس، بل تكمن أيضاً في الدروس السياسية التي تقدمها للقوى التي تربط مستقبلها بتوازنات القوى الدولية، وفي مقدمتها الأحزاب الكردية في أجزاء كردستان الأربعة.

لقد أظهرت التجربة الأمريكية أن امتلاك الرئاسة والنفوذ لا يضمن استمرار السلطة، وأن شعبية الرئيس دونالد ترامب لم تكن كافية لحماية حزبه من خسارة الأغلبية في الكونغرس.

وهنا يبرز سؤال مهم للقيادات الكردية: إذا كانت الأحزاب الكبرى في الولايات المتحدة عرضة للتغيير والمحاسبة، فلماذا تتصرف بعض الأحزاب الكردية وكأن استمرارها في السلطة والنفوذ أمر مضمون؟

المؤسسات أقوى من الأشخاص

من أبرز دروس التجربة الأمريكية أن الديمقراطية لا تقوم على شخص الرئيس أو الحزب الحاكم وحده، بل على المؤسسات وتوازن السلطات والمحاسبة وتداول السلطة.

وهذا ما تحتاج الأحزاب الكردية إلى استيعابه. فالرهان على الحزب الجمهوري اليوم، أو على الحزب الديمقراطي غداً، لن يصنع سياسة أمريكية مستدامة تجاه القضية الكردية. المطلوب هو بناء علاقات مؤسساتية مع مختلف مراكز القرار الأمريكي، بعيداً عن التقلبات الانتخابية.

فالقضية الكردية تحتاج إلى سياسة دولية ثابتة تستند إلى الحقوق والمصالح المشتركة، لا إلى مواقف مؤقتة ترتبط برئيس أو إدارة.

تفعيل المؤسسات وتعزيز الديمقراطية

إن التعددية السياسية ليست انقساماً، والاختلاف الحزبي لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام المصالح القومية المشتركة. فمن حق الأحزاب أن تتنافس على السلطة والبرامج، لكن من واجبها أيضاً الاتفاق على الحد الأدنى من الثوابت الوطنية والدستورية.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة ملحّة في إقليم كردستان العراق، وهي إعادة تفعيل برلمان إقليم كردستان، الذي ظل معطلاً عن ممارسة دوره التشريعي والرقابي لفترة طويلة منذ الانتخابات السابقة.

فمن غير المنطقي أن تدعو الأحزاب الكردية إلى الديمقراطية والمشاركة السياسية في المحافل الدولية، بينما تبقى إحدى أهم المؤسسات الدستورية والمنتخبة في الإقليم بعيدة عن أداء دورها الطبيعي.

إن تفعيل البرلمان، واحترام نتائج الانتخابات، واستعادة دوره في الرقابة والمساءلة والتشريع، ليست مجرد استحقاقات إدارية أو حزبية، بل خطوات أساسية لاستعادة ثقة المواطنين وترسيخ الحكم الديمقراطي والمؤسساتي في الإقليم.

القضية الكردية تحتاج إلى مشروع، لا إلى انتظار الحلفاء

لقد أثبتت تجارب المنطقة أن التحالفات الدولية تتغير وفق المصالح والحسابات السياسية والأمنية، وأن الاعتماد على الخارج وحده لا يوفر ضمانات دائمة لأي شعب.

لذلك، تحتاج القضية الكردية إلى مشروع سياسي واضح يستند إلى الحقوق القومية والثقافية والدستورية، والتمثيل السياسي، وحماية الحريات.

في سوريا، تبرز ضرورة ضمان الحقوق السياسية والدستورية للشعب الكردي ضمن مستقبل الدولة السورية، وفي العراق حماية الشراكة الدستورية بين الإقليم والحكومة الاتحادية، أما في تركيا وإيران، فتظل الحقوق السياسية والثقافية والحلول السلمية أساساً للاستقرار.

ماذا ينبغي على الأحزاب الكردية أن تفعل؟

إن الاستفادة من التحولات الأمريكية تتطلب خطوات عملية، أبرزها:

مراجعة الأداء الحزبي، وتعزيز النقد والمحاسبة وتجديد القيادات.
ترسيخ الديمقراطية الداخلية وتوسيع مشاركة الشباب والنساء والكفاءات.
إعادة تفعيل المؤسسات المنتخبة، وفي مقدمتها برلمان إقليم كردستان.
بناء توافق كردي حول القضايا القومية والاستراتيجية، مع احترام التعددية.
تطوير الدبلوماسية والعلاقات المؤسسية مع الحزبين الأمريكيين والعواصم الأوروبية.
وضع احتياجات المواطنين وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية في صدارة الأولويات.
فالأحزاب التي لا تستمع إلى مجتمعاتها، ولا تجدد مؤسساتها، ولا تقبل المحاسبة، تخاطر بفقدان ثقة جمهورها مهما كان تاريخها السياسي أو حجم نفوذها.

أخيراً: من يقرر مستقبل الشعب الكردي؟

إن الرسالة الأهم من التحولات السياسية في واشنطن هي أن موازين القوى قابلة للتغيير، وأن السلطة ليست امتيازاً دائماً، وأن المؤسسات الديمقراطية هي الضمان الحقيقي لاستمرار الحياة السياسية وتجددها.

وعلى الأحزاب الكردية أن تسأل نفسها بوضوح: لماذا لا تتحول خلافاتنا إلى تنافس ديمقراطي؟ ولماذا تبقى مؤسساتنا معطلة أو ضعيفة؟ ولماذا ننتظر دائماً تغير موازين القوى الدولية حتى نعيد التفكير في مستقبلنا؟

إن الشعب الكردي لا يحتاج إلى انتظار فوز حزب أمريكي أو خسارة آخر حتى يدرك ضرورة إصلاح أوضاعه السياسية.

فالدرس الحقيقي من واشنطن هو أن من لا يمتلك مؤسسات قوية ومشروعاً سياسياً واضحاً وإرادة ديمقراطية مستقلة، سيظل متأثراً بقرارات الآخرين، مهما كانت عدالة قضيته وتاريخ تضحياته.

المستقبل لا تصنعه التحولات الدولية وحدها، بل تصنعه أيضاً الشعوب التي تمتلك مؤسسات فاعلة، وأحزاباً قابلة للمحاسبة والتجديد، وقيادات تدرك أن شرعيتها الحقيقية تأتي من شعوبها، لا من علاقاتها بالخارج.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى