حسن قاسم
كمال درويش وشيخموس يوسف ومحمود كورد… ثلاثة مناضلين، وذاكرة لم تنصفها الحركة السياسية الكوردية
ليست كل الحوادث المرورية حوادث عابرة، وليست كل الوفيات قدراً محتوماً. فثمة أحداث تبقى معلقة في ذاكرة الشعوب، لا لأن ضحاياها رحلوا فحسب، بل لأن ملابسات رحيلهم ظلت محاطة بعلامات استفهام كبيرة، ولأن الحقيقة لم تأخذ طريقها إلى التحقيق والمساءلة.
في الثالث من تشرين الثاني عام 1996، وقعت واحدة من أكثر الحوادث إيلاماً في تاريخ الحركة السياسية الكوردية في سوريا، حين رحل المناضلان كمال درويش، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا، وشيخموس يوسف، عضو المكتب السياسي للحزب اليساري الكوردي في سوريا، في حادث قيل منذ ذلك الحين إنه لم يكن مجرد حادث سير عابر، بل عملية مدبرة لإسكات صوتين سياسيين حملا مطالب شعبهما.
كان المناضلان قد توجها بمهمة رسمية بتكليف من الأحزاب الكوردية في سوريا، إلى مدينة الحسكة، للقاء محافظها، وطرح جملة من القضايا الوطنية التي كانت تؤرق الشارع الكوردي، وفي مقدمتها قضية الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وسياسة الحزام العربي، والاستيلاء على أراضي الفلاحين الكورد، وما ترتب على تلك السياسات من مظالم تاريخية بحق الشعب الكوردي.
لكن المحافظ تحجج بانشغاله وامتنع عن استقبالهما، الأمر الذي اضطرهما إلى التوجه نحو فرع حزب البعث للقاء أمين الفرع آنذاك، عبد العزيز النعيمي، غير أن الأخير تهرب بدوره من لقائهما.
وهكذا، وبعد أن أُغلقت أمامهما أبواب الحوار، عادا أدراجهما باتجاه القامشلي. وعند وصولهما إلى مفرق حطين، داهمت شاحنتهما سيارة المناضلين بصورة مفاجئة، وفق الرواية المتداولة عن الحادث!
لقد أجمعت آراء كثيرة في الأوساط السياسية الكوردية آنذاك على أن الحادث لم يكن طبيعياً، وذهبت اتهامات إلى تحميل عبد العزيز النعيمي مسؤولية ما جرى، لكن المؤسف أن الأحزاب الكوردية لم تتابع القضية بما يكفي، ولم تتشكل آلية جادة لملاحقة الحقيقة، فطويت القضية دون كشف ملابساتها أو محاسبة المسؤولين عنها.
لكن المأساة لم تكن الأولى من نوعها.
ففي السابع عشر من نيسان من العام نفسه، وبمناسبة ذكرى عيد الجلاء، كان المناضل الشيوعي محمود داوود، المعروف باسم محمود كورد، قد شارك مع رفاقه في احتفالات منظمة الحزب الشيوعي السوري في دير الزور.
كان محمود كادراً حزبياً نشيطاً وجريئاً، معروفاً بحيويته السياسية والتزامه، وكان يوزع أكثر من مئة نسخة من صحيفة «نضال الشعب»، الجريدة الرسمية للحزب الشيوعي السوري، في دلالة على نشاطه وحضوره بين الناس.
وعند عودة محتفلي منظمة الحسكة من دير الزور، توزعوا على حافلتين؛ الأولى بقيادة موسى دوشي، عضو اللجنة المنطقية، والثانية بقيادة محمود كورد.
وبعد قطع مسافة تقارب عشرة كيلومترات من دير الزور باتجاه الحسكة، تعرضت الحافلة التي كان يقودها محمود لاصطدام مفاجئ من حافلة أخرى، بحسب الرواية التي نقلتها، ما أدى إلى انقلابها وسقوطها في وادٍ بمحاذاة الطريق.
ورغم إصابته، لم يفكر محمود بنفسه، بل خرج محاولاً إنقاذ رفاقه، وكانت النتيجة استشهاد ثلاثة منهم وإصابة آخرين، فيما نُقل محمود إلى المشفى الحكومي في دير الزور.
لكن المأساة لم تنته عند الحادث؛ فقد تفاقمت إصابته وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد من قبل طاقم المشفى، إلى أن أصيب بالتهاب بريتواني أدى إلى تسمم حالته الصحية. وعندما جرت محاولة نقله إلى دمشق، كان الوقت قد فات، وفارق الحياة متأثراً بإصابته.
وهكذا خسرنا محمود كورد، كما خسرنا قبله ثلاثة من رفاقه في تلك الحافلة، في حادثة بقيت هي الأخرى بحاجة إلى تحقيق يكشف حقيقة ما جرى، ويحدد المسؤوليات عن الحادث وما تلاه من إهمال طبي.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل كانت هذه الحوادث مجرد مصادفات مؤلمة، أم أنها تندرج ضمن أساليب الترهيب التي استخدمتها أجهزة السلطة البعثية لإسكات الأصوات الكوردية الناشطة؟
إن استهداف المناضلين لا يقتصر على الاعتقال والتعذيب والملاحقة الأمنية، فقد تكون هناك وسائل أخرى أقل وضوحاً وأكثر التباساً، تجعل من الحوادث الغامضة وسيلة للتخلص من شخصيات سياسية مزعجة للسلطة، دون أن تترك وراءها أدلة يسهل تتبعها.
ولا يمكن، من باب الأمانة التاريخية، إصدار أحكام قطعية بشأن المسؤولية عن هذه الحوادث دون تحقيق موثق، لكن من حقنا، بل من واجبنا، المطالبة بإعادة فتح ملفاتها، وتوثيق شهادات من عاصروا تلك الأحداث، والبحث عن الحقيقة التي غابت طويلاً.
وما يبعث على الأسى أكثر من فقدان هؤلاء المناضلين هو أن قضاياهم لم تحظَ بالمتابعة السياسية والتنظيمية التي تستحقها. فكيف يمكن لحركة سياسية أن تحافظ على ذاكرتها وحقوق شعبها، إذا كانت لا تصون ذاكرة مناضليها، ولا تلاحق قضايا من دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم؟
إن كتابة هذه السطور ليست مجرد استذكار لوجوه غابت، ولا محاولة لإحياء أحزان الماضي، بل هي شهادة للتاريخ، ونداء إلى كل من يمتلك معلومة أو وثيقة أو شهادة حول هذه الأحداث، كي يساهم في كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا.
فالتاريخ لا ينبغي أن يُكتب فقط بأسماء القادة والمؤتمرات والانشقاقات، بل أيضاً بدماء أولئك الذين ناضلوا بصمت، وتحملوا المخاطر، ودفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم وقناعاتهم.
رحم الله المناضلين كمال درويش وشيخموس يوسف ومحمود كورد، ورحم رفاق محمود الثلاثة الذين استشهدوا في تلك الحادثة، وكل من رحلوا وهم يحملون همّ شعبهم وقضيته.
المجد والخلود لأرواحهم الطاهرة، والخزي والعار لكل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، والعار لكل من تواطأ على طمس الحقيقة أو تقاعس عن كشفها.





