محمدأمين سعدون.
منذ تأسيس المجلس الوطني الكردي في ٢٦ تشرين الأول من عام ٢٠١١ الميلادي، لم يكن المجلس مجرد تحالف سياسي عابر، بل شَكًلَ دعامة للأمل الكردي السوري في التغيير والديمقراطية وتحقيق الحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا. وحينها، احتضنته الحواضن الشعبية بمظاهرات ومَسيرات عارمة في المناطق الكردية وفي المهجر والشتات، معلنةً أنه الممثل الشرعي لتطلعاتها في الحرية والكرامة والديمقراطية، وحامل الحقيقي للمشروع القومي الكردي في سوريا.
لكن المسار اللاحق شهد فجوة متسعة بين الطموح الشعبي والأداء الفعلي والعملي على الأرض؛ إذ أدت الهيمنة الحزبية المطلقة، وتمسك القيادات التقليدية بمواقعها رغم الإخفاقات المتراكمة، إلى تجميد طاقات المجلس وتراجعه تنظيماً وشعبياً وإعلامياً ودبلوماسياً وسياسياً.
وجاء دخول المجلس إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ليمثل الانعطاف الأبرز؛ حيث أن هذه الخطوة، أفقدت المجلس الكثير من أوراقه الدبلوماسية والجماهيرية والسياسية المستقلة، وجعلته في كثير من المحطات رهيناً لأجندات إقليمية وخارجية، بعيداً عن الساحة الداخلية ومعاناة المواطنين الكرد اليومية والدفاع عن حقوقهم المشروعة.
اليوم، يقف المجلس الوطني الكردي على أعتاب مؤتمره الخامس في بيئة سورية سياسية وأمنية مختلفة تماماً. إن سقوط نظام الأسد وتولي مرحلة سياسية جديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع، وما رافقها من مواقف وقرارات تاريخية متعلقة بحقوق الكرد والسوريين، وأهمها المرسوم ١٣ لعام ٢٠٢٦ الميلادي، يفرض واقعاً جديداً ومسؤوليات تاريخية مطلوبة. ولعل الحدث الأبرز الذي يعيد رسم الخارطة السياسية في المناطق الكردية وسوريا، هي اتفاقية ٢٩ كانون الثاني لعام ٢٠٢٦ الميلادي، بين الرئيس الشرع ومستشار الرئاسة مظلوم عبدي، والمتضمنة أبرز بنودها عملية دمج مؤسسات الإدارة الذاتية من الإدارية والتعليمية والخدمية والمؤسسات العسكرية والأمنية في دوائر الدولة، بالإضافة إلى دخول قيادات من المجلس الوطني الكردي نفسه إلى مجلس الشعب السوري الجديد وبعض المؤسسات الخدمية والإدارية. هذه المتغيرات المتسارعة تسحب البساط من تحت السياسات الانتظارية،التبريرية، التقليدية والسكونية، وتطالب بـسياسة ديناميكية وعملية نشطة لا تقبل الجمود والتردد والتريث.
التحدي الأكبر الذي يواجه المؤتمر الخامس ليس مجرد ترتيب المقاعد والأمتيازات الحزبية، بل الإجابة على سؤال الوجود: هل يمتلك المجلس مقومات القوة للتغيير ولتجديد نفسه وبالتالي البقاء والأستمرارية بفعالية؟ الإجابة: إلى حد ما، نعم، ولكن بشرط أن يمتلك الشجاعة السياسية وإرادة حقيقية للتغيير.
حيث أن مقومات القوة والتجديد، تكمن في كوادره التكنوقراطية والشابة، وفي قاعدته الشعبية والجماهيرية المتينة والعريضة، وفي حال توفر إرادة سياسية صادقة ومؤمنة بعقلية التغيير فعلاً، هناك قدرة ومساحة واسعة على التحول من صيغة المحاصصة الحزبية المشتتة والضعيفة إلى شكل من أشكال اتحاد للقوى المتقاربة فكرياً وتاريخياً أو حتى الأندماج ضمن حزب سياسي موحد، كون كثرة الأحزاب السياسية وأنشغالها بمبدأ المحاصصة في التمويل والمناصب، يصبح عائقاً أمام فعالية المجلس ويجعل المجلس أسيراً للتوازنات الداخلية وبالتالي يصبح قراره مشتتاً ومتأخراً عن الأحداث وغير قادراً على أتخاذ القرارات المصيرية وإنتاج السياسات الجدية لمواكبة المتغيرات والأحداث المتسارعة داخلياً وإقليمياً ودولياً، وأيضاً الاستفادة من علاقاته التاريخية مع إقليم كردستان العراق خاصة والأطراف الإقليمية والدولية عامة، لخدمة الاستقرار الداخلي بدلاً من التمحور الخارجي.
إن المطلوب من المؤتمر الخامس يتلخص في ست نقاط جوهرية:
أولاً: قبل كل شيء، ينبغي أولاً تغيير التفكير والعقلية الحزبايتية القديمة، سواء النظر إلى الأحداث والمتغييرات الداخلية والإقليمية والدولية أم التفاعل الإيجابي مع دمشق وحزب الاتحاد الديمقراطي أو التعامل العضوي مع مؤسسات وأعضاء المجلس وقياداته.
ثانياً: ضخ دماء جديدة، مثقفة،واعية ونشطة في الهيئات القيادية وكسر احتكار القرار والفردانية.
ثالثاً: قراءة المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، وصياغة رؤية ومشروع سياسي واضح وواقعي، تتناغم مع سياسات دمشق الجديدة وقوى الكردية التي حققت أنجازات ملموسة بفضل جهود وتضحيات كبيرة وسياسات واقعية ومكانة لدى قوى إقليمية ودولية صانعة القرار والقوة في أنتاج سورية جديدة والتي اتجهت بكل مؤسساتها الإدارية والأمنية والعسكرية نحو عملية الاندماج بأشراف ورعاية إقليمية ودولية، لضمان ألا يبقى المجلس خارج قطار التسوية الشاملة في سوريا المستقبل. رابعاً: الأهتمام الجدي والعملي بالشباب والمرأة كقوتين فعالتين في ديناميكية المجتمع وتحريكه وتجديده.
خامساً: بناء مؤسسات حقيقية للإعلام والثقافة والتنظيم والرقابة والمتابعة وتأهيل الكوادر في الجسم المنشود.
سادساً: التركيز على الدور المحوري للكرد وتقوية علاقاتهم ووحدة خطابهم وتنسيقهم، كعامل ضمان للاستقرار والنهضة في سوريا المستقبل، والعمل من داخل المؤسسات التشريعية (مثل مجلس الشعب) لتثبيت الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في دستور سوريا الجديد.
لقد أثبتت التحولات الأخيرة أن الكرد جزء أساسي لا يتجزأ من صياغة مستقبل سوريا الديمقراطية وتطورها وازدهارها الاقتصادي والسياسي. والمؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي هو الفرصة الأخيرة والسانحة لإعادة القطار إلى مساره الصحيح، وللانتقال من ضيق الحسابات الحزبية الضيقة إلى رحابة العمل الوطني السوري الذي يحقق تطلعات الشعب الكردي ويصون حقوقه الدستورية في وطن يتسع لجميع أبنائه.



