اكرم حسين
لا نريد للحراك السلمي في الحسكة أن يتحوّل إلى بوابة للفتنة، ولا لمطالب الناس المحقّة أن تُستغل لإشعال صراع بين مكوّنات المدينة.
ليس هناك ما يستدعي توجّه المتظاهرين إلى الأحياء الشمالية من مدينة الحسكة، في خطوة قد تؤدي إلى احتكاكات وتوترات لا تخدم أحداً، بل تهدد السلم الأهلي وتسيء إلى جوهر هذا الحراك ومطالبه المشروعة.
إن أي دعوة إلى التصعيد أو دفع الناس نحو مناطق التوتر، في ظل هذه الظروف الحساسة، تنطوي على مخاطر حقيقية، وتستوجب من الجميع التحلّي بأعلى درجات المسؤولية والحذر.
إن واجبنا هو الحفاظ على طابع الحراك السلمي المدني، ومنع تحويله إلى مواجهة بين العرب والكرد، أو بين أي مكوّنات أخرى من أبناء الحسكة. فالمطالب المحقّة تفقد مشروعيتها عندما يجري توظيفها في التحريض والكراهية، أو دفعها نحو مسارات تؤدي إلى إراقة الدماء وتعميق الانقسامات.
ومن المهم الإشارة إلى أن وجود عناصر عربية وكردية ضمن جهاز الأمن العام، تعمل على ضبط الأوضاع ومنع الاحتكاك بين أبناء المدينة، يؤكد أن هناك مسؤولية مشتركة في حماية السلم الأهلي، وأن المصلحة الحقيقية لجميع الأطراف تكمن في احتواء التوتر، لا في تأجيجه ، ومن هنا، فإن المطلوب هو دعم كل جهد يسهم في حماية المدنيين، وضبط التجاوزات، ومنع المتطرفين والمحرّضين، أياً كانت انتماءاتهم، من جرّ المدينة إلى مواجهة لا يريدها أهلها.
ومع الأسف، تبرز مؤشرات مقلقة إلى أن بعض الأصوات العربية والكردية تتخذ مواقف استفزازية، قد تُفهم على أنها محاولة لعرقلة مسار الدمج وتعطيل الوصول إلى تفاهمات تحفظ استقرار المنطقة. لكن من الضروري ألّا نعمّم هذه المواقف ولا يجوز تحميل أي مكوّن مسؤولية تصرفات بعض أفراده. فالتعميم لا يخدم إلا دعاة الانقسام، ويمنح المحرّضين فرصة اخرى لتوسيع دائرة الخلاف.
إن معالجة ما يجري في الحسكة تتطلب خطوات واضحة ومسؤولة، في مقدمتها:
أولاً: حماية التظاهر السلمي، ودعوة الشباب إلى الالتزام بالهدوء، وتجنّب التوجّه إلى مناطق قد تشهد احتكاكات، وعدم السماح لأي طرف بتغيير وجهة الحراك أو حرف مطالبه عن مسارها المشروع.
ثانياً: كشف التحريض ومحاسبة المسؤولين عنه. فمن الضروري رصد الخطابات التي تدفع نحو الكراهية أو المواجهة، والتحقق من مصادرها وأهدافها، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تثبت مسؤوليته عن التحريض على العنف، بعيداً عن الاتهامات العشوائية أو تصفية الحسابات السياسية والاجتماعية.
ثالثاً: التصدي للتحريض الإعلامي والرقمي. فقد باتت بعض المنشورات والتسجيلات والتعليقات على منصات التواصل الاجتماعي أدوات لتأجيج المشاعر وإثارة الشكوك بين أبناء المدينة ، وهنا تبرز مسؤولية الإعلاميين والناشطين في التحقق من المعلومات، ورفض نشر الشائعات، ومواجهة الخطاب التحريضي بالأدلة والحقائق، مع التمسك بحق النقد والتعبير السلمي.
رابعاً: استكمال مسار الدمج والتفاهمات بروح المسؤولية. فلا يجوز السماح لأصوات متشددة أو مصالح ضيقة بتعطيل أي مسار يمكن أن يسهم في الاستقرار، أو بإعادة إنتاج الانقسامات بين مكوّنات المنطقة. فالدمج الناجح يحتاج إلى الثقة المتبادلة، والضمانات الواضحة، والشفافية، والالتزام بحقوق جميع أبناء الحسكة من دون تمييز.
خامساً: فتح قنوات حوار مباشرة بين ممثلي المكوّنات والفعاليات الاجتماعية والشبابية والجهات المعنية. فالحلول الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة الأزمات ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية، بل لا بد من الحوار، والاستماع إلى المطالب، ومعالجة أسباب الاحتقان، ومحاسبة المتجاوزين وفق القانون.
أما المحرّضون الذين يستثمرون في التوتر، فإن مواجهتهم تكون بكشف خطابهم وتفنيد ادعاءاتهم، وتوثيق التجاوزات بصورة مسؤولة، واللجوء إلى المساءلة القانونية عند توافر الأدلة، لا بالتشهير العشوائي أو التحريض المضاد الذي قد يوسّع دائرة الأزمة بدلاً من احتوائها.
إن الحسكة اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن ينتصر أبناؤها للحكمة والتعايش والمصلحة المشتركة، وإما أن ينجح أصحاب خطاب الكراهية في دفعهم إلى مواجهات لا رابح فيها.
رسالتنا واضحة: لا للعنف، لا للتحريض، لا لاستهداف أي مكوّن، ولا لعرقلة الحلول التي تحفظ استقرار المنطقة.
نعم للحراك السلمي، ونعم للمطالب المشروعة، ونعم للمحاسبة القانونية العادلة، ونعم للحوار الذي يحمي حقوق الجميع.
الحسكة ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا ملكاً لطرف دون آخر؛ إنها مدينة أبنائها جميعاً، عرباً وكرداً وسرياناً وآشوريين وغيرهم..، وأمنها واستقرارها مسؤولية مشتركة لا يجوز التفريط بها.
فلنمنع الفتنة قبل أن تتسع، ولنحمِ الدم السوري، ولنجعل من هذه اللحظة فرصة لتعزيز الثقة واستكمال التفاهمات، لا ذريعة لفتح أبواب جديدة للصراع والانقسام.




