مقالات

25 أيلول 2017… يوم عبّر فيه الشعب عن إرادته

شادي حاجي 
في ذكرى استفتاء إقليم كردستان الذي جرى في 25 أيلول/سبتمبر 2017، نستعيد ذلك اليوم بوصفه محطة تاريخية مهمة في مسيرة القضية الكردية، ويوماً اختار فيه شعب كردستان أن يعبّر عن رؤيته لمستقبله من خلال صناديق الاقتراع.
لم يكن الاستفتاء مجرد إجراء سياسي عابر، بل كان تعبيراً مباشراً عن إرادة شعبية واسعة تجاه حق تقرير المصير. وقد شارك في التصويت ملايين الناخبين، وجاءت النتيجة بأغلبية كبيرة لصالح خيار الاستقلال.
قد تختلف المواقف السياسية والقانونية حول الاستفتاء، وقد صدرت بعده قرارات ومواقف رافضة له، وفي مقدمتها قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق الذي صدر في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 وقضى بعدم دستورية الاستفتاء وإلغاء آثاره ونتائجه.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً، بعيداً عن الخلافات السياسية والقانونية، هو: هل يمكن إلغاء إرادة شعب عبّر عنها بصورة مباشرة في صناديق الاقتراع بقرار سياسي أو قضائي فقط؟
إن القرارات القانونية قد تنظم آثار الاستفتاءات، وقد تحدد مدى دستوريتها ضمن النظام القانوني القائم، لكن الإرادة الشعبية التي عبّر عنها الناس في ذلك اليوم تبقى حقيقة تاريخية وسياسية لا يمكن محوها من الذاكرة.
ومن منظور مبدأ السيادة الشعبية، فإن الإرادة التي عبّر عنها الشعب في استفتاء لا ينبغي أن تُمحى سياسياً إلا بإرادة شعبية جديدة. فإذا كان الشعب هو مصدر الشرعية، فإن تغيير موقفه ينبغي أن يترك للشعب نفسه، من خلال عملية ديمقراطية جديدة، لا أن يُفترض تغييره بقرار يصدر من فوق.
وبعبارة أخرى: إذا كان الاستفتاء الشعبي هو الوسيلة التي عبّر بها الشعب عن إرادته، فإن الطريق الديمقراطي لتغيير تلك الإرادة هو العودة إلى الشعب نفسه.
إن حق تقرير المصير ليس فكرة تنتهي بانتهاء يوم الاقتراع، ولا يمكن اختزال تطلعات أجيال متعاقبة في قرار سياسي واحد. فالأجيال لا ترث مستقبلها بصورة جامدة، بل تملك حق النظر في أوضاعها ومصالحها واختيار الطريق الذي تراه مناسباً لها ضمن الظروف التاريخية والسياسية التي تعيشها.
والتاريخ الحديث يقدم أمثلة كثيرة لشعوب تغيّرت أوضاعها السياسية، وأعيد رسم علاقاتها بالدول التي كانت جزءاً منها، وتغيرت الحدود والأنظمة والعلاقات بين الشعوب والدول عبر الاستفتاءات والاتفاقات والتحولات السياسية.
ومن هنا، فإن 25 أيلول 2017 لا ينبغي النظر إليه باعتباره يوماً انتهى بانتهاء التصويت، بل باعتباره يوماً دخل فيه مطلب تقرير المصير مرحلة جديدة من التعبير الشعبي المباشر.
لقد قالت صناديق الاقتراع في ذلك اليوم كلمتها، وأعلن المشاركون موقفهم بصورة سلمية وديمقراطية. وقد تختلف الحكومات والأحزاب والمحاكم في تفسيرها لذلك الحدث، لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن شعباً ذهب إلى صناديق الاقتراع ليعبّر عن موقفه من مستقبله.
ولذلك فإن محاولة إسقاط نتائج الاستفتاء من الذاكرة لا تعني إسقاط الفكرة التي عبّر عنها، ولا تعني أن الأجيال القادمة فقدت حقها في إعادة طرح السؤال من جديد.
فالقرار السياسي قد يتغير، والحكومات تتغير، والقوانين تتغير، لكن إرادة الشعوب لا تتوقف عند قرار واحد ولا عند جيل واحد.
وإذا كان هناك من يرى أن إرادة الشعب التي عبّر عنها استفتاء عام 2017 قد تغيّرت، فإن الطريق الديمقراطي لإثبات ذلك هو أن يُسأل الشعب مرة أخرى، في استفتاء جديد، ليقول كلمته بإرادته الحرة.
وهنا تكمن جوهر المسألة:
لا ينبغي أن يُلغى استفتاء شعبي بإرادة سياسية فقط؛ فإذا أُريد تغيير إرادة الشعب، فليُدعَ الشعب نفسه إلى التعبير عن إرادته من جديد.
إن 25 أيلول 2017 سيبقى، مهما اختلفت المواقف منه، يوماً عبّر فيه ملايين الكرد عن رؤيتهم لمستقبلهم عبر صناديق الاقتراع.
وقد تتغير الظروف، وتتبدل الحكومات، وتتغير موازين القوى، لكن حق الأجيال القادمة في التفكير بمستقبلها واختيار طريقها يبقى قائماً.
25 أيلول… ليس مجرد تاريخ.
إنه يوم قال فيه الشعب كلمته.
وفي ذكرى ذلك اليوم، تبقى الرسالة الأهم:
الشعوب قد تؤجل أحلامها، وقد تتغير طرقها، لكنها لا تفقد حقها في أن تتحدث عن مستقبلها بصوتها هي.
25 أيلول 2017
ذكرى يومٍ اختار فيه شعب كردستان أن يتحدث بصوته.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب