محمد دلي
شاهدتُ قبل أيام قليلة في الفيسبوك ,مقطعاً من مداخلة لأحد أعضاء مجلس الشعب في دمشق, يتحدث فيه عن ضرورة إعادة الهيبة للمدرسة بالسماح بالضرب المنضبط, وإعادة النظر في الكادر التعليمي قائلاً بما معناه “هناك تأنيث للمدارس, وهذا يضعف من شخصية الإنسان في بدايات تشكيلها”.
تبادر إلى ذهني فوراً تاريخي الطويل مع موقع ومقولة “الفلقة”, كوني أحمل تأهيلاً جامعياً وعملتُ في مجال التربية والتعليم للمرحلتين الإعدادية والثانوية لأكثر من ربع قرن. استعدت ذاكرتي وتجربتي الشخصية مع الضرب ,وكما توقفتُ مليّاً عند مفهوم الضرب الجسدي والمعنوي للتلاميذ في المجتمع والدولة السورية.
بالنسبة لي شخصياً، كانت أول صفعة تلقيتها من أبي في ساحة “النبعة” وسط البلدة وأمام الناس, لكنه لم يهددني بالفلقة قط, ربما لأن تجربته الحياتية علّمته عمق أذاها, إذ تعرّض لها على يد رئيس المخفر بعدما رفض سُخرة شرطي أمره بنقل “تنكة ماء” إلى بيته أوائل الخمسينات من القرن الماضي , فتشاجر معه في الساحة نفسها (ساحة نبعة شيه) أودى به إلى السجن في عفرين.
أما الصفعة الثانية، فكانت في الصف الثاني على يد أستاذ عابس صارم لم أره يبتسم قط. ورغم أنه لم يرفعني للفلقة, إلا أنني قضيتُ العام وأنا أفكر بالهروب من المدرسة. نجحتُ حينها بضعيفين مخيفين :في الرياضيات والتربية الدينية, وظل رعب الفلقة يسكنني وينتابني كلما رأيتُ طفلاً أو زميلاً يُضرب أمامي. وبقيتُ على هذه الحال حتى أزال مؤقتا هذا الرعب معلمٌ حلبيّ حنون ولطيف لم يضرب أحدا طوال العام , كان معلمنا في الصف الثالث.
أما أول فلقة فعلية أكلتها, فكانت في الصف الرابع إثر شجار بيننا في حصة الرياضة حول لعبة “الطابة”. لكن الفلقة الأكثر رعباً وأثراً في ذاكرتي كانت في الصف السادس على يد الأستاذ سلمان الناصر.
على ما اتذكر ,كتب الأستاذ سلمان مسألة حساب على السبورة وشرح لنا حلّها, ثم سألنا: “هل فهمتم؟”, قلنا: “نعم”, ظناً منا أنه سينتقل إلى درس آخر. كرّر السؤال والحل, فأكدنا فهمنا أملاً في انتهاء الحصة والانصراف, فقد مللنا من الدروس. لكنه قال بنبرة حاسمة: “حسناً, من يخرج إلى السبورة ولا يحل المسألة سأرفعه فلقة!”. وبما أنني كنت واثقاً من نفسي زيادة عن اللزوم ومن ترتيبي (الثاني على الصف بعد محمد علي عكال), رددتُ مع المرددين: “فهمنا يا أستاذ”.
لكنه عكس توقعاتنا, إذ بدأ يستدعي الطلاب واحداً تلو الآخر وفشلوا جميعا. بدأ الخوف يأكلني, وندى العرق على جبيني وأنا أراهم يقفون عند طرف السبورة والأستاذ يضربهم بسوطه الأسود الواحد بعد الآخر ليتعالى صوت البكاء في الصف. فقدتُ التركيز في إعادة قراءة المسألة والتفكير في حلها, وغدوتُ أتنقل بعينيّ ومشاعري بين السبورة والواقفين وآكلي الفلقة.
لم يبقَ من التلاميذ سواي ومحمد علي عكال, الذي لمحته هادئاً يوحي بأنه يعرف الحل, مما زاد من اضطرابي. وعندما جاء دوري, صعدتُ إلى فسحة السبورة, وأمسكتُ بالطبشورة وتأملتُ المسألة وطال تأملي, لكنني عجزتُ تماماً.
طأطأتُ رأسي وذهبتُ إلى الكرسي, أمسكتُ سنادته بيدَيَّ, ووضعتُ ساقَيَّ متجاورتين على السطح الخشبي, وأغلقت عينيَّ منتظراً ضربات السوط, وكان عقلي كله متمركزاً في باطن قدمي منتظراً الألم.
مر الوقت ولم تأت الضربة… انتظرت وانتظرت, بدأ الصمت المترقب يلف الصف بأكمله. نفد صبري, ففتحت رويداً رويداً إحدى عيني لتلحق بها الثانية وتزيغ جانباً نحو الأستاذ, وإذ به قد أحنى ظهره وهو يتأمل وجهي يترقب لحظة فتح عيني! ,عندها أطلقت العنان لحنجرتي وبكيت بأعلى صوتي, بينما انفجر الصف بالضحك علي ,حتى أولئك الذين كانت أقدامهم تؤلمهم أشد الألم فرحوا بانهياري! فقد كنت التلميذ المدلل والمحبوب الذي يتفاخر الأستاذ بإجاباته ويحظى بالتصفيق والثناء بأوامره وها أنا الآن أسقط على كرسي العقاب.
بعدما بكيت صارخاً, متعذباً ومحرجا, قال الأستاذ سلمان: “انزل عن الكرسي,لن أضربك”. لكنني لم أنزل, بل صرخت بطلب العقاب: “اضرب! اضرب!”. رفض أن يفعل, وبقيت مصراً على أن آخذ نصيبي من الفلقة كي لا يُقال انني حظيت باستثناء, وبقي الأستاذ مصراً على ألا يضربني. حينها طلب من اثنين من أكبر زملائي يجلسان في الصف الأخير, “محمد طوبال” و”جميل أنجبك”, أن يأخذاني إلى مقعدي. وضع كل منهما ذراعه تحت إبطي ورفعاني عن الكرسي, بينما كنت لا أزال شاداً ساقي إلى فخذي خوفاً وخجلاً, حتى أوصلاني إلى مقعدي وأجلساني عليه عنوة.
تُعدّ “الفلقة” أشهر صنوف الضرب المدرسي, وهي وسيلة عقاب جسدي قديمة, تُثبّت فيها قدما المعاقَب بوساطة عصا أو حزام يلتف ويُشد حول الساقين فوق الرسغين غالباً, ويُضرب باطن القدمين بعصا أو سوط لإحداث ألم مبرح وصعوبة مؤقتة في المشي, وان كثر وتقوى قد يسبب الضرب تشققات ونزيفاً, وربما تشوهات أو كسوراً غير دائمة.
مرّت الفلقة بمحطات عديدة, فقد استخدمها العثمانيون كعقوبة رسمية في السجون والمخافر, ثم انتقلت إلى الكتاتيب والنظام التعليمي مع “الشيخ والخوجة” في الدول العربية والإسلامية, وشاع معها مصطلح “العصا من الجنة”. وفي إيران استمرت رسمياً حتى عهد رضا شاه بهلوي، بينما شاعت في أوروبا وأمريكا خلال العصور الوسطى بجلد الأقدام أمام المارة في الساحات. ومع تحديث الأنظمة القضائية والتعليمية في القرن العشرين, وتقدم الأبحاث التربوية, حُظرت الفلقة رسمياً في المدارس ,منها مدارس سوريا, لكنها استمرت بطرق غير قانونية في السجون للضغط على المعتقلين , لانتزاع الاعترافات منهم.




