لكل مقام مقال..فلا مكان لشهوة الكلام في الموضوع الحزبي الكردي.
بقلم الكاتب
عبدالله كدو
قرأت للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، تحت عنوان «دفاعا عن الكلام»، قوله: كنت أرى أن الكلام غير المهم لا داعي له، وهو ثرثرة، ثم، بعد أن مضى بي الزمن وجالست المسنين، تفهمت دوافعهم وأحوالهم، وصرت أدافع عن الكلام، حتى لو كان ثرثرة.
مناسبة هذا الموضوع هي موجة، أو نوبة، الحديث عن وحدة الأحزاب الكردية، وكثرة عددها، والخلافات والانشقاقات فيها، علما أن هذا الموضوع وُجد بُعيد ظهور أول حزب كردي سوري، واستمر الشقاق بلا هوادة، وربما يستمر لأجل غير مسمى.
فالنصائح والخطابات العامة لا تحل أي مشكلة، ومنها المشاكل الحزبية الكردية. ونحن، كشعب كردي مضطَهد، لم نشهد القانون الذي يردّ الحقوق، ولم نتعلم قواعده وبنوده.
ذات يوم، في ورشة عمل، سمعت من د.نجيب غضبان أنه عندما وصل إلى أمريكا تفاجأ بكثرة عدد المحامين، وعندما سأل: لماذا هذا الكم الكبير من المحامين؟ قيل له: بسبب احترام القانون والسعي إلى نيل واسترداد الحقوق. وهذا بخلاف الوضع في سوريا عامة، ولدى الكرد خاصة، فلم تتح الفرصة أمام المحامين الكرد، حتى الآن، سوى العمل في تسوية الخلافات المالية والعقارية وقضايا الطلاق. ولم تسمع القواعد الحزبية والجماهير الكردية عامة بمكتب قانوني لحزب كردي ما، ولا للمجلس الوطني الكردي، إلا بعد أن وصل وفد من المكتب القانوني للمجلس إلى دمشق، بُعيد سقوط نظام الأسد، ذلك قبل أغلبية القيادات والمؤسسات الحزبية الكردية الأخرى ، حيث كان طريق الذهاب إلى دمشق محفوفا بالتّهم بالتخوين التي كان يسوقها الآبوجيون ضد السياسيين وغيرهم من الكرد المختلفين عنهم .
وكأنه مكتوب على حركتنا السياسية الكردية أن تدار من قبل غير المختصين في القانون، والعلوم السياسية، والإعلام، واللغة، وغيرها من الاختصاصات. إنما ظلت السردية الشائعة أن السياسة ذكاء وفطرة، ولا علاقة لها بالمعرفة المكتسبة والخبرات الاختصاصية النظرية والعملية، حتى صار القيادي، وخاصة القيادي المسؤول الأول، في نظر الحزبيين شخصا خارقا، وبلغ الأمر حد عبادة الفرد، كما في حالة مؤسس PKK، عبدالله أوجلان، الذي لُقّب بالفيلسوف، فيما ظل غاندي ومانديلا قائدين سياسيين، ولم ينالا لقب الفيلسوف.
وعليه، وأمام مشهد الخلافات الحزبية، وخاصة التنظيمية، التي تدب داخل أحزابنا، فإن الخلافات كانت وما زالت وستستمر، طالما لا توجد صيغ وقوانين مؤسسية صارمة و رادعة وفاعلة. ومَن يعتقد أن الأفضل هو حل جميع الأحزاب الكردية، وكأن بقية العالم الذي تقوده الأحزاب لم يسمع بهذه النصيحة، أو أن الكرد بشر من صنف نادر ولا تطبق عليهم قوانين ونواميس الكون، وخاصة أولئك الذين لم يخوضوا أي تجربة حزبية، أو الذين تركوا الأحزاب وصاروا يكرهون الأحزاب والحزبيين لأسباب ربما يفهمها تلامذة العالِمَين النفسيين، فرويد ويونغ، فأولئك يرتكبون خطأ وزير النقل اللبناني الأسبق، الذي وجد حلا لمشكلة الازدحام في بعض الشوارع البيروتية المهمة بمنع مرور السيارات فيها.
أعتقد أن من لديه الرغبة والوقت الكافيَين، من الكرد ذوي الشأن والمسؤولية، لمعرفة حقيقة الخلاف في أي حزب وطني كردي، عليه أن يبحث: من يتجاوز النظام الداخلي، ومن يلتزم به؟ وما نسبة تجاوز النظام الداخلي من قبل الكتل أو الأعضاء؟ وذلك بعيدا عن الاعتبارات السياسية الأخرى غير القابلة للقياس.
هذا هو العمل الجاد، وما دون ذلك يندرج في سياق الكلام العام، الذي يشجع الطرف المعتدي على الحق ليتمادى أكثر، ذلك الحق الذي أعتقد أن معظم الناس الخيّرين من الكرد، وغيرهم، يريدون الدفاع عنه.