مقالات

الكورد بين قسوة التاريخ  وظلم الطغاة

أ. د. قاسم المندلاوي

منذ فجر التاريخ ، عاش الشعب الكوردي في أرضٍ غنية بالطبيعة والخيرات ، بين الجبال الشامخة والوديان والأنهار والبحيرات ، وفي بيئةٍ منحت الإنسان مقومات الحياة والعمل والاستقرار. وكانت هذه الجغرافية ، بما تمتلكه من تضاريس طبيعية ، ملاذاً وحصناً في مواجهة قسوة الطبيعة ، كما كانت في مراحل كثيرة من التاريخ ساحةً للدفاع عن الأرض والوجود والهوية .

وقد وهب الله هذه البلاد موارد طبيعية متنوعة ، من النفط والغاز والحديد والزئبق وغيرها من الثروات ، فضلاً عن الأراضي الصالحة للزراعة والبستنة وتنوع المحاصيل والفواكه ،  كما عُرف الإنسان الكوردي بالصبر وقوة التحمل والارتباط بالأرض ، وبروح النضال من أجل الحياة الحرة والعيش الكريم .

ولعل من أبرز ما ميّز الكورد عبر تاريخهم الطويل تمسكهم بلغتهم وثقافتهم وهويتهم وتراثهم ، وإصرارهم على الحفاظ على وجودهم رغم ما مرّ بهم من حروب وكوارث ومآسٍ واضطهادات متعاقبة .

تاريخ طويل من الصمود

لم يكن الطريق أمام الشعب الكوردي سهلاً ، فقد واجه عبر تاريخه الطويل ظروفاً قاسية ، تمثلت في الحروب والصراعات والتدخلات السياسية والعسكرية ، فضلاً عن سياسات الاضطهاد والتهجير ومحاولات طمس الهوية

ومع ذلك ، استطاع الكورد الحفاظ على لغتهم وثقافتهم وتراثهم ، وعلى ارتباطهم بأرضهم ، ولم يستسلموا أمام الكوارث الطبيعية أو أمام محاولات إخضاعهم ومحو خصوصيتهم القومية والثقافية .

إن استمرار الشعب الكوردي في الحفاظ على هويته ، رغم كل هذه الظروف ، يمثل صفحة مهمة من صفحات الصمود الإنساني والتاريخي .

صفحات مؤلمة من الاضطهاد

من أكثر الجوانب إيلاماً في التاريخ الحديث ما تعرض له الكورد في أجزاء مختلفة من كوردستان من سياسات قاسية ، شملت التهجير القسري ، وإسقاط الجنسية عن فئات من السكان ، ومصادرة الأموال والممتلكات ، والاعتقالات ، والإخفاء القسري ، والإعدامات ، فضلاً عن محاولات التضييق على اللغة والثقافة والهوية ،

وقد تركت هذه السياسات آثاراً عميقة في الذاكرة الكوردية ، ولا تزال تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية حاضرة لدى أجيال متعاقبة .

كما أن القضية الكوردية لم تكن بمعزل عن الصراعات الإقليمية والدولية  ، فقد أصبحت في مراحل مختلفة جزءاً من حسابات القوى الكبرى ودول المنطقة ، التي تعاملت معها أحياناً بوصفها ورقة سياسية لتحقيق مصالحها وأهدافها .

القضية الكوردية بين الصراعات الإقليمية والدولية

لقد عانى الكورد من آثار الصراعات التي شهدتها المنطقة ، ومن سياسات حكومات متعاقبة في الدول التي يتوزع فيها الشعب الكوردي . كما تأثرت قضيتهم بالتنافس بين القوى الإقليمية والدولية ، شرقاً وغرباً .

وفي كثير من الأحيان ، جرى التعامل مع القضية الكوردية وفق المصالح السياسية المتغيرة ، بدلاً من النظر إليها باعتبارها قضية شعب له حقوق ثقافية وسياسية وإنسانية مشروعة .

ومن هنا ، فإن إنصاف الشعب الكوردي يتطلب تجاوز سياسة استخدام القضية كورقة تفاوضية مؤقتة ، والانتقال إلى معالجة عادلة ومستدامة تقوم على احترام الإنسان وحقوق الشعوب والعدالة .

الكورد ودورهم في بناء الحياة الاقتصادية والحضارية

لم يكن حضور الكورد في المنطقة عسكرياً أو سياسياً فحسب ، بل كان لهم إسهام واضح في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية .

فقد عُرفوا تاريخياً بالعمل في الزراعة والبستنة والتجارة والصناعات والحرف اليدوية والفنون المختلفة ، وكان لهم حضور في الأسواق والمدن الكبرى ، وأسهموا في النشاط الاقتصادي والتجاري والحضاري في المنطقة .

وهذا يؤكد أن الكورد كانوا ولا يزالون جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والحضاري للمنطقة ، وأن إسهاماتهم لا يمكن فصلها عن تاريخ العراق وبلاد فارس والأناضول وسوريا وسائر المنطقة .

أكثر من خمسين مليون كوردي .. قضية تتجاوز الحدود

يُقدَّر عدد الكورد بعشرات الملايين، ويتوزعون بصورة رئيسية في مناطق كوردية تقع ضمن العراق وتركيا وإيران وسوريا ، إضافة إلى جاليات كبيرة في مختلف دول العالم .

ويتحدث الكورد بلغاتهم ولهجاتهم الكوردية المتنوعة ، إلى جانب العربية والفارسية والتركية وغيرها من اللغات، الأمر الذي يعكس عمق التفاعل التاريخي والاجتماعي بين الكورد والشعوب التي عاشوا بينها .

ولهذا فإن القضية الكوردية ليست مجرد قضية مرتبطة بحدود سياسية رسمتها ظروف التاريخ الحديث ، بل هي قضية ذات امتداد تاريخي واجتماعي وثقافي عابر للحدود .

الوحدة الكوردية .. الطريق إلى تحقيق الحقوق

إن معالجة القضية الكوردية تحتاج ، قبل كل شيء ، إلى وحدة الصف ، والحوار، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات السياسية والحزبية .

فقد أثبت التاريخ أن الانقسام الداخلي يضعف الشعوب ، بينما يمنحها التكاتف والتفاهم قوة أكبر في الدفاع عن حقوقها ومصالحها .

ومن هنا تبرز أهمية بناء رؤية كوردية مشتركة تقوم على الحوار والديمقراطية ، واحترام التنوع السياسي والفكري ، والعمل المشترك من أجل مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وكرامة .

الكورد والنضال من أجل الحرية

لقد تحمل الكورد خلال العقود الماضية الكثير من الويلات والمآسي ، وقدموا تضحيات كبيرة في سبيل الحرية والدفاع عن الإنسان والأرض والهوية .

كما كان لهم دور بارز في مواجهة التنظيمات الإرهابية ، ولا سيما في العراق وسوريا ، حيث دفع الكثيرون منهم ثمناً باهظاً من الأرواح دفاعاً عن مجتمعاتهم وعن الأمن والاستقرار ومواجهة الإرهاب .

وهذه التضحيات تستحق أن تُقرأ في إطارها الإنساني والتاريخي، وأن تكون دافعاً نحو بناء مستقبل يقوم على السلام والعدالة وحقوق الإنسان .

إلى متى يستمر الظلم ؟؟

بعد عقود طويلة من المعاناة والصراعات والاضطهاد ، يبقى السؤال مشروعاً ومؤلماً

إلى متى يستمر تجاهل حقوق الشعب الكوردي ؟  وإلى متى تبقى قضيته رهينة الصراعات والمصالح السياسية  ؟

إن الاعتراف بحقوق الكورد ليس مجرد مطلب سياسي ، بل هو، قبل ذلك ، قضية إنسانية وحضارية تتصل بحق الإنسان في الحفاظ على لغته وثقافته وهويته ، وحق الشعوب في المشاركة في تقرير مستقبلها ضمن الأطر التي تضمنها القوانين والمواثيق الدولية .

ولا تزال بعض المناطق الكوردية بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والتنمية والخدمات الأساسية والبنية التحتية ، الأمر الذي يتطلب سياسات تنموية عادلة ومستدامة تضع الإنسان في مقدمة الأولويات .

العدالة والإنصاف  .. أفق المستقبل

إن طموح الكورد إلى الحرية والكرامة والاعتراف بحقوقهم لا ينبغي أن يكون سبباً لصراع دائم ، بل يمكن أن يكون مدخلاً إلى بناء مستقبل أكثر استقراراً لشعوب المنطقة كافة .

وقد حان الوقت ، بعد سنوات طويلة من الصراع والمعاناة ، لأن تُعالج القضية الكوردية بروح العدالة والحوار والإنصاف ، بعيداً عن سياسات الإقصاء والاضطهاد واستخدام الشعوب وقضاياها في الصراعات السياسية .

ويبقى الهدف الأسمى هو أن يتمتع الإنسان الكوردي بحقوقه كاملة ، وأن تُصان لغته وثقافته وهويته ، وأن تتاح له فرصة المشاركة الحقيقية في بناء مستقبله ، ضمن نظام سياسي يضمن العدالة والمساواة والحقوق والحريات .

أما شكل الحل السياسي النهائي ، سواء كان في إطار الحكم الفدرالي أو أي صيغة أخرى يختارها أبناء المنطقة عبر الوسائل السلمية والديمقراطية ، فينبغي أن يستند إلى إرادة الشعوب ، واحترام حقوق الإنسان ، والتفاهم بين المكونات ، وبناء السلام والاستقرار .

لقد أثبت الشعب الكوردي ، عبر التاريخ ، أنه شعب قادر على الصمود في وجه المحن ، والحفاظ على هويته وثقافته ولغته وأرضه رغم قسوة الظروف .

وإن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تكون لاستدعاء الكراهية أو الانتقام ، وإنما لاستخلاص الدروس وبناء مستقبل أفضل . فالعدالة لا تتحقق بإعادة إنتاج الظلم ، وإنما بالاعتراف بالحقوق ، واحترام كرامة الإنسان ، وفتح أبواب الحوار والسلام .

إن إنصاف الكورد، واحترام حقوقهم ، ورفع الظلم عنهم ، لا يمثلان مكسباً للكورد وحدهم ، بل يمكن أن يكونا خطوة مهمة نحو بناء منطقة أكثر عدلاً واستقراراً ، تتعايش فيها الشعوب والمكونات على أساس المساواة والكرامة والاحترام المتبادل .

فالحرية والعدالة والكرامة حقوق إنسانية لا ينبغي أن تكون حكراً على شعب دون آخر .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

مظاهرة غويران تحت المجهر

د. مرشد اليوسف المعلومات المنشورة عن مظاهرة الحسكة في 2 تشرين الأول/أكتوبر تشير إلى أن مطالبها المعلنة شملت تعزيز حضور مؤسسات الدولة…

الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكردية: المرحلة الراهنة تتطلب توحيد الحركة الكردية والتحاور مع العهد الجديد

تصريح المتحدثة باسم الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكردية كوهر حيدر عقدت الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكردية لقاءها الافتراضي الرابع عشر بعد المائة…