حسين أمين
برغم وجعي، وبرغم أنني أحياناً أفقد الوعي من شدة الألم، أجد نفسي مضطراً للكتابة عندما أرى البعض يحاول تبرير كل شيء، وبكل الوسائل، لصالح ما أسميه «سلطةالاندماج»، حتى وصل الأمر إلى محاولة تشويه تجربة إقليم كوردستان، والمقارنة بين صورتين لا يجمعهما في الحقيقة سوى المصافحة.
إحدى الصور تجمع الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني مع الرئيس العراقي صدام حسين بعد اتفاق الحكم الذاتي، والأخرى تجمع الجنرال مظلوم عبدي مع أحمد الشرع بعد الاتفاق الأخير.
قد تبدو الصورة متشابهة لمن يريد أن يرى المصافحة فقط، لكن السياسة لا تُقاس بالصور، وإنما بما بقي على الأرض بعد المصافحة.
والفرق بين التجربتين كبير جداً… بل من الأرض إلى السماء.
أولاً: الملا مصطفى البارزاني دخل التفاوض بصفته قائداً كوردياً وزعيماً لقوات البيشمركة، وجاء اتفاق 11 آذار/مارس 1970 باعتراف رسمي بحقوق الشعب الكوردي وبمبدأ الحكم الذاتي، ثم جاء قانون الحكم الذاتي لاحقاً لتنظيم هذا الإطار.
ثانياً: لم تكن قضية البارزاني هي التخلي عن خصوصية كوردستان أو حل قوات البيشمركة وتسليم كل شيء إلى المركز، بل كان جوهر الاتفاق الاعتراف بخصوصية الشعب الكوردي وحقوقه وإدارة شؤونه ضمن إطار العراق.
ثالثاً: ما تحقق لاحقاً في إقليم كوردستان، رغم كل الحروب والمآسي والنكسات، أصبح جزءاً من النظام الاتحادي العراقي بعد دستور 2005، وأصبح للإقليم مؤسساته وبرلمانه وحكومته وقواته الأمنية وممثلياته في الخارج، وله خصوصيته السياسية والإدارية.
أما محاولة تشبيه ذلك بما جرى بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع، فهي تحتاج إلى كثير من الدقة.
فأين أوجه التشابه؟
أولاً: أحمد الشرع، وفق المرحلة الانتقالية القائمة، ليس رئيساً منتخباً في إطار دستور دائم، بل يقود سلطة انتقالية فرضت نفسها في ظروف استثنائية.
ثانياً: سوريا لم تعتمد حتى الآن دستوراً دائماً جديداً يحدد بشكل نهائي شكل الدولة وحقوق مكوناتها وقومياتها.
ثالثاً: ما زال اسم الدولة هو الجمهورية العربية السورية، بينما كان الاعتراف بالحكم الذاتي الكوردي في العراق خطوة باتجاه تكريس خصوصية كوردستان، وصولاً لاحقاً إلى النظام الاتحادي.
رابعاً: القضية الأخطر هي مصير قوات سوريا الديمقراطية. فإذا كان المآل هو دمج القوات الكوردية وقوات قسد بالكامل في جيش مركزي تحت مسمى الجيش العربي السوري، فنحن أمام عملية دمج لا أمام اعتراف بقوة عسكرية كوردية ذات خصوصية.
خامساً: هناك فارق سياسي هائل بين رجل يدخل التفاوض بوصفه زعيم حركة كوردية وقائداً للبيشمركة، وبين انتقال قائد عسكري كان يقود قوة كبيرة على الأرض إلى موقع مستشار مدني لدى رئيس السلطة الانتقالية.
وهنا السؤال الحقيقي:
هل انتقلنا من موقع الشريك إلى موقع المستشار؟
سادساً: إذا انتهى الاتفاق إلى تسليم وإدماج المؤسسات المالية والحدودية والنفطية والمدنية ضمن مؤسسات المركز، من دون ضمانات دستورية واضحة للخصوصية والهوية والحقوق القومية الكوردية، فكيف يمكن تقديم ذلك على أنه نسخة جديدة من تجربة البارزاني؟
والأهم من كل ذلك:
في تجربة إقليم كوردستان أصبح الاعتراف بالحقوق الكوردية جزءاً من البناء الدستوري للعراق، بينما ما زالت الحقوق القومية للكورد في سوريا تواجه إشكالية المصطلحات؛ فحتى الحديث عن «الشعب الكوردي» يُستبدل أحياناً بتعبير «المكوّن الكوردي»، كما أن الاعتراف باللغة الكوردية بوصفها لغة وطنية لا يساوي بالضرورة الاعتراف بها لغة رسمية في المناطق التي يشكل الكورد فيها غالبية.
لذلك، فإن وضع صورة الملا مصطفى البارزاني وصدام حسين بجانب صورة مظلوم عبدي وأحمد الشرع لا يكفي لإثبات أي تشابه.
المعيار ليس المصافحة… بل ماذا حصل الشعب الكوردي بعدها؟
هل بقيت الأرض؟
هل بقيت المؤسسات؟
هل بقيت القوات؟
هل ثبت الاعتراف الدستوري؟
هل حُفظت الهوية واللغة؟
هل أصبح الكورد شركاء في الدولة، أم مجرد مكوّن داخلها؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
ومن هنا أقول بوضوح:
كل تشابه يُفرض بين تجربة البارزاني وتجربة مظلوم عبدي، من دون النظر إلى النتائج والضمانات السياسية والدستورية، ليس مقارنة تاريخية منصفة، بل محاولة لتبرير سياسة الاندماج وتجميل واقع سياسي مختلف تماماً، وفي الوقت نفسه تشويه تجربة إقليم كوردستان التي لم تأتِ من صورة مصافحة، وإنما من عقود طويلة من النضال والتضحيات والدماء.
الصورة قد تتشابه…
لكن التاريخ لا يتشابه.
والمصافحة قد تكون واحدة…
لكن ما بعدها هو الذي يصنع الفرق.
وبين البارزاني الذي تفاوض على حقوق شعبه، وبين من ينتهي به الأمر مستشاراً لدى سلطة مركزية، مسافة سياسية لا تختصرها صورة.