تضامناً مع البروفيسور والفيلسوف الدكتور سربست نبي:

عاصم أمين*

 

يتعرض البروفيسور الدكتور سربست نبي وعائلته، منذ فترة، لحملة ممنهجة تستهدف شخصه ومواقفه الفكرية والوطنية والسياسية، في محاولة واضحة للنيل من صوته ومكانته وإسكاته بسبب تمسكه بموقفه تجاه قضيته وشعبه، ورفضه لمنطق التضليل والخداع وإعادة هندسة الوعي السياسي الكردي بما يخدم أجندات خارجية، فضلاً عن رفضه المساومة على الحقوق الكردية أو اختزال القضية الكردية في مشاريع ومصالح لا تنسجم مع تطلعات الشعب الكردي.

إن استهداف الدكتور سربست نبي هو استهداف لدماء الشهداء الذين تم خداعهم ومن ضمنهم الشهيد يوسف نبي شقيق الدكتور سربست  ودماء اولاد عمومته واصدقاء طفولته وحيه.  لا يمكن اعتبار هذه الهجمة البربرية والبوهيمية من قبل قطيع يقوده مؤسسات تعمل بخلفيات ادبية وثقافية وسياسية وفكرية معروفة وتابعة لتلك الايدولوجيا على انه فقط مجرد خلافات فكرية أو سجالات  سياسية فردية ،فحرية الاختلاف والنقد حق أصيل في أي مجتمع يحترم العقل والمعرفة. لكن حين يتحول الاختلاف إلى تشويه ممنهج ، وحين تمتد الحملة إلى الأسرة والحياة الشخصية والتهديد بتصفيتها وحين تستخدم المنابر الإعلامية والثقافية  ووسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف اسمائها لتخوين المثقفين والنشطاء والمفكرين والساسة الكرد  وملاحقتهم بدلاً من مناقشة أفكارهم والحوار معهم بالحجج والبراهين. فإننا نكون أمام ظاهرة تتجاوز حدود النقد إلى ممارسة يمكن وصفها بوضوح بأنها إرهاب فكري سافر.

وما يثير القلق أكثر أن هذه الحملات تأتي في سياق منظومة إعلامية وثقافية تدور في فلك أيديولوجيا مضللة عابرة للحدود وتتخذ من دماء الكرد ووقودا لصراعات استخباراتية تخدم دولها، استطاعت تحت عباءة القضية الكردية، أن تعيد إنتاج خطاب سياسي يسعى إلى تدجين الوعي وتقليص سقف الطموح القومي والسياسي الكردي، بما يتقاطع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع مصالح وأجندات قوى إقليمية، وفي مقدمتها الدولة التركية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن تتحول قضية تحرر شعب إلى أداة لتقييد وعيه، وأن تتحول غالبية الأقلام التي يفترض أن تكون حارسة للعقل والحرية  وفي خدمة قضاياها القومية إلى أدوات لملاحقة المفكرين والكتاب وتشويههم لحماية سلطة تلك الايدولوجيا التي تمارس الارهاب الفكري والسياسي والتصفية الجسدية بحق الشعب الكردي

والأكثر إثارة للتساؤل أن كثيراً من السلطات العربية التي تتهم بعدائيتها للفكر والثقافة الحرة و على الرغم من تاريخها الطويل من الاستبداد واحتكار الحريات السياسية والفردية والفكرية، لم تبلغ في الكثير من الحالات ما تمارسه هذه الأيديولوجيا من تضييق على مفكريها وكتابها وأدبائها ومخالفيها. فالتنظيم أو السلطة التي ترفع راية قضية شعب وتدّعي الدفاع عن حريته، ثم تقمع أصوات مفكريه وتهاجم كتابه ومثقفيه، إنما تمارس تناقضاً صارخاً بين خطابها وممارستها.

إن التنظيمات والسلطات التي تخشى المفكرين والكتاب والأدباء، ولا تستطيع مواجهة أفكارهم إلا بالتشهير والتخوين والإقصاء، تكشف عن طبيعة سلطوية لا تختلف في جوهرها عن الأنظمة التي تدّعي محاربتها. فالإرهاب لا يكون بالسلاح وحده؛ هناك أيضاً إرهاب للعقل، وإرهاب للكلمة، وإرهاب للوعي، حين يُراد للمثقف أن يصمت وللكاتب أن يخشى وللمفكر أن يراجع أفكاره تحت وطأة التهديد والتشهير.

من هنا يأتي تضامني مع البروفيسور والفيلسوف الدكتور سربست نبي وعائلته بوصفه تضامناً مع حق المثقف في التفكير، وحق الكاتب في التعبير، وحق الشعب الكردي في أن يمتلك وعياً حراً ومستقلاً بقضيته ومستقبله. إن إسكات صوت أكاديمي وفكري لا ينسجم مع مشروع سياسي معين لا يخدم القضية الكردية، بل يضعفها.

فالقضايا العادلة لا تحتاج إلى إسكات المفكرين، وإنما تحتاج إلى الحوار معهم. ولا تُبنى حرية شعب بقمع حرية أبنائه، ولا يمكن الدفاع عن المستقبل عبر مصادرة العقل. إن المعركة الحقيقية اليوم هي من أجل بقاء الوعي الكردي حراً، مستقلاً، وقادراً على التفكير والنقد وصياغة خياراته بعيداً عن الوصاية والتدجين والمساومة.

*كاتب كردي سوري مستقل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن صالح Hesen Ibrahim Salih مؤخرا بدأت حملة شرسة من قبل إعلام تابع للحركة الآبوجيه، ضد الدكتور سربست نبي، هذا الأكاديمي البارع بات هدفا لتشويه سمعته والتهديد والوعيد ولتحريض ذويه ضده، والسبب هو أنه ملتزم بجوهر القضية القومية لشعبنا الكردي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا، ويبدي موقفه من سياسات الحركة الآبوجيه، بكل وضوح وشفافية، دون أن يخشى في قول كلمة…

متابعة (ولاتي مه) : شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية موجة تضامن واسعة مع الأكاديمي والمفكر الكردي البروفيسور الدكتور سربست نبي، على خلفية ما وصفه متضامنون معه بحملة تخوين وتشهير وشتائم وتهديدات طالته وطالت أفراداً من عائلته، وذلك عقب مواقفه وانتقاداته السياسية المعلنة لسياسات حزب العمال الكردستاني وامتداداته، ولا سيما حزب الاتحاد الديمقراطي «PYD» وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» والإدارة…

د. فريد سعدون عندما تكون مهزوما من الداخل، فإن النعيب والنعيق والزعيق في قفا الآخرين لن تجعل منك منتصرا … الهجمة الشرسة التي تستهدف المثقفين أو الشخصيات التي تتناول الشأن العام بالنقد والتحليل وتسرد رأيها حسب قراءتها للوقائع والأحداث، هي تأتي وكأنها من أناس فرادى أو عناصر شتى متباعدة لا تربطها إلا غيرتها على قوميتها أو تضحيات شعبها، إلا أنها…

آراس اليوسف كما نعرف جميعاً أن د. سربست نبي أكاديمي وفيلسوف كردي قضى سنوات طويلة في البحث والكتابة في الفلسفة والفكر السياسي وقضايا الدولة والمجتمع، وله حضور معروف في النقاشات المتعلقة بالشأن الكردي، حيث يدافع عن حقوق الكرد في المنابر الإعلامية والسياسية، ويطرح رؤاه و قناعاته و حججه بثقة ومعرفة، حتى يجد خصوم القضية الكردية أنفسهم أمام خطاب فكري متكامل…