الأرض والاسم.. ملفان من إرث التعريب لا يمكن لسوريا الجديدة أن تتجاوزهما

خوشناف سليمان
هناك سياسات ارتكبتها أنظمة بحق شعوب، وثقتها منظمات دولية وهيئات حقوقية، فتحولت من أحداث في الماضي إلى وقائع تاريخية لا يمكن تجاوز آثارها قبل مواجهتها. والحكاية الكردية في سوريا واحدة منها. إذ لم تستهدف السياسات الاستثنائية الكرد في حقوقهم فحسب، انما طالت أرضهم وأسماء قراهم وذاكرتهم ووجودهم.
واليوم، مع الحديث عن سوريا جديدة، تبرز قضيتان لا يمكن إغلاقهما قبل معالجتهما .. الحزام العربي وآثاره على الأرض والسكان، وتغيير أسماء القرى والبلدات الكردية وآثاره على الذاكرة والهوية. فالأولى حاولت إعادة تشكيل الأرض والسكان، والثانية إعادة تشكيل الخريطة والذاكرة، وبينهما كان الهدف واحدًا: إعادة تعريف المكان الكردي من خلال سلطة الدولة.
إذا أردنا البحث عن المكان الذي تكثفت فيه هذه السياسات، فعلينا أن نبدأ من الحسكة والجزيرة السورية. ففي عام 1962 أُجري في محافظة الحسكة تعداد استثنائي أدى، بحسب توثيق هيومن رايتس ووتش، إلى تجريد نحو 120 ألف كردي سوري من الجنسية، أي ما كان يعادل قرابة خمس السكان الكرد في سوريا آنذاك وفق تقدير المنظمة. ولم يكن سحب الجنسية نهاية القصة؛ ففي مطلع السبعينيات بدأت الدولة تنفيذ مشروع عُرف باسم / الحزام العربي /، ثم قُدّم لاحقًا تحت تسمية (خطة إنشاء مزارع نموذجية للدولة في محافظة الجزيرة ). ووفق توثيق هيومن رايتس ووتش، صادرت الحكومة أراضي من ملاك كرد، وفي عام 1975 أعادت توطين نحو 4,000 أسرة عربية في 41 قرية نموذجية في قلب المنطقة الكردية. قبل أن يُجمّد المشروع عام 1976 من دون تفكيك تلك القرى أو إعادة الأراضي إلى أصحابها الذين أُخرجوا منها.
هذه الوقائع تجعل الحزام العربي ملف سياسة دولة، لا مجرد خلاف بين الكرد والعرب. وفي الوقت نفسه، فإن معالجة آثاره اليوم يجب ألا تتحول إلى ظلم جديد. لا نريد طرد أحد، ولا نريد أن يدفع مواطن حالي ثمن قرار لم يتخذه، لكن حماية حقوق المواطنين الحاليين لا ينبغي أن تصبح ذريعة لحماية نتائج سياسة سابقة. المطلوب هو العدالة: رد الملكية حيث يمكن ردها، والتعويض حيث يتعذر ذلك، والتسوية حين تكون هي الحل العادل، ودراسة كل حالة وفق وثائقها وظروفها، لا وفق الانتماء القومي.
لكن الأرض لم تكن وحدها موضع الاستهداف؛ فقد رافقها تغيير أسماء الأماكن. تقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات السورية غيّرت عشرات الأسماء الأصلية لقرى كردية في محافظة الحسكة وفي المنطقة الكردية حول عفرين، وإن الخطة وُضعت في الستينيات وبدأ تنفيذها في السبعينيات. ومن أمثلة ذلك: Kobaniya التي أصبحت عين العرب، وGirdeem التي أصبحت سعدية، وChilara التي أصبحت الجوادية، وDerunakoling التي أصبحت دير أيوب، وBani Qasri التي أصبحت عين خضرا.
والاسم هنا ليس مجرد كلمة؛ إنه جزء من ذاكرة المكان. عندما يبقى الاسم حيًا في أفواه السكان، لكنه يختفي من السجل والخريطة والوثيقة الرسمية، فإن الدولة لا تغيّر كلمة فحسب، بل تعيد تعريف المكان. وكوباني مثال واضح على ذلك؛ فقد ظل اسم Kobani/Kobaniya حاضرًا في الذاكرة واللغة الكردية، بينما أصبح الاسم الرسمي «عين العرب». والسؤال اليوم ليس أي الاسمين يجب أن يُقصى، بل لماذا لا تستطيع الدولة الجديدة الاعتراف بالتعدد التاريخي لأسماء المكان، حين يكون ذلك تعبيرًا صادقًا عن تاريخه وسكانه؟
وفي عفرين توجد وثيقة رسمية لا تحتاج إلى كثير من الشرح: القرار رقم 15801، الصادر عن وزير الإدارة المحلية في دمشق بتاريخ 18 أيار/مايو 1977، والذي حصلت هيومن رايتس ووتش على نسخة منه وأوردت ترجمته في ملحق تقريرها. القرار يأمر باستبدال أسماء عشرات البلدات والقرى في منطقة عفرين بمحافظة حلب بأسماء جديدة، ويشير إلى قرارات محلية سابقة. وهذا يوضح أن تغيير الأسماء لم يكن مجرد تحول عفوي في الاستعمال، بل جرى عبر مسار إداري رسمي استخدمت فيه مؤسسات الدولة صلاحياتها لإعادة تعريف أسماء أماكن عاش فيها الكرد لأجيال.
وعندما ننظر إلى الأرض والاسم معًا، تتضح الصورة أكثر. فقد اجتمعت في الحسكة سياسات سحب الجنسية والاستملاك وإعادة التوطين وتغيير أسماء الأماكن، بينما امتدت سياسة تغيير الأسماء إلى مناطق كردية أخرى. لذلك فإن معالجة هذه الملفات لا تعني الانتقام من العرب ولا استبدال تعريب بتكريد جديد. إذا كان للمكان اسم عربي تاريخي، فيجب احترامه، وإذا كان له أكثر من اسم تاريخي، فمن الممكن أن تعترف الدولة بهذا التعدد. أما إذا ثبت أن اسمًا كرديًا أو سريانيًا أو أرمنيًا أو غيره أزيل بقرار سياسي تمييزي، فمن حق أبناء المكان المطالبة بمراجعة ذلك القرار. المعيار يجب ألا يكون من يحكم اليوم، بل ماذا تقول الوثائق، وكيف كان السكان يسمون المكان، ولماذا غُيّر اسمه.
وهذا هو المطلوب من سوريا الجديدة: فتح ملف الحزام العربي والاستملاك وإعادة التوطين، ومراجعة آثارها القانونية والملكية وفق آليات عادلة، وفتح أرشيف تغيير أسماء القرى والبلدات والمدن ونشر القرارات التي غيّرتها، وإعادة الأسماء التي يثبت أنها أزيلت بقرار تمييزي أو اعتمادها إلى جانب الأسماء الرسمية حيث يكون ذلك هو الحل الأنسب، من دون أن تتحول معالجة ظلم قديم إلى ظلم جديد.
إذا كانت سوريا الجديدة تريد أن تثبت أنها ليست استمرارًا للعقلية التي حكمت البلاد لعقود، فاختبارها الحقيقي هو قدرتها على فتح الملفات التي ظل النظام السابق يخشى فتحها: ملف الحزام العربي، وسجلات الاستملاك وإعادة التوطين، وأرشيف تغيير أسماء القرى، والقرار 15801، ثم ترك الوثائق للمؤرخين والقانونيين وأبناء المناطق كي تُقرأ وتُناقش وتُعالج وفق القانون.
لا يمكن أن يُطلب من الكرد أن ينسوا أرضًا لم تُراجع ملكيتها، أو اسم قرية ما زال غائبًا عن الوثيقة الرسمية، أو قرارًا إداريًا ما زال أثره حاضرًا على الخريطة. النسيان ليس عدالة؛ العدالة هي أن نعرف، ثم نعالج، ثم نطوي الصفحة.
الكرد لا يطلبون من سوريا أن تمنحهم تاريخًا أو هوية أو وجودًا. لقد كان لهم تاريخهم ووجودهم وقراهم وأسماؤهم ولغتهم قبل كثير من القرارات والمراسيم والسجلات التي حاولت إعادة تعريف علاقتهم بالمكان. والمطلوب اليوم ليس امتيازًا، بل تصحيح علاقة الدولة بمواطنيها الكرد وفق القانون والوثيقة والعدالة.
لقد دفع الكرد ثمنًا باهظًا لتمسكهم بوجودهم، وإذا كان هناك اندماج في الدولة السورية الجديدة، فيجب أن يكون اندماجًا في دولة جديدة فعلًا، لا في نتائج سياسات قديمة. نحن سوريون، لكن سوريتنا لا تعني التخلي عن كرديتنا، ووحدة سوريا لا تعني محو تاريخ أحد مكوناتها.
الدولة القوية لا تحتاج إلى محو أسماء القرى كي تثبت وحدتها. بل تستطيع أن تقول: نعم، حدثت سياسات تمييزية، ونعم، بقيت لها آثار، والآن سنعالجها بالقانون.
افتحوا الأرشيف، ودعوا الوثائق تتكلم. فالكرد لا يخافون من الحقيقة، لأن الحقيقة في النهاية أقوى من كل محاولات طمسها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن صالح Hesen Ibrahim Salih مؤخرا بدأت حملة شرسة من قبل إعلام تابع للحركة الآبوجيه، ضد الدكتور سربست نبي، هذا الأكاديمي البارع بات هدفا لتشويه سمعته والتهديد والوعيد ولتحريض ذويه ضده، والسبب هو أنه ملتزم بجوهر القضية القومية لشعبنا الكردي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا، ويبدي موقفه من سياسات الحركة الآبوجيه، بكل وضوح وشفافية، دون أن يخشى في قول كلمة…

متابعة (ولاتي مه) : شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية موجة تضامن واسعة مع الأكاديمي والمفكر الكردي البروفيسور الدكتور سربست نبي، على خلفية ما وصفه متضامنون معه بحملة تخوين وتشهير وشتائم وتهديدات طالته وطالت أفراداً من عائلته، وذلك عقب مواقفه وانتقاداته السياسية المعلنة لسياسات حزب العمال الكردستاني وامتداداته، ولا سيما حزب الاتحاد الديمقراطي «PYD» وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» والإدارة…

د. فريد سعدون عندما تكون مهزوما من الداخل، فإن النعيب والنعيق والزعيق في قفا الآخرين لن تجعل منك منتصرا … الهجمة الشرسة التي تستهدف المثقفين أو الشخصيات التي تتناول الشأن العام بالنقد والتحليل وتسرد رأيها حسب قراءتها للوقائع والأحداث، هي تأتي وكأنها من أناس فرادى أو عناصر شتى متباعدة لا تربطها إلا غيرتها على قوميتها أو تضحيات شعبها، إلا أنها…

آراس اليوسف كما نعرف جميعاً أن د. سربست نبي أكاديمي وفيلسوف كردي قضى سنوات طويلة في البحث والكتابة في الفلسفة والفكر السياسي وقضايا الدولة والمجتمع، وله حضور معروف في النقاشات المتعلقة بالشأن الكردي، حيث يدافع عن حقوق الكرد في المنابر الإعلامية والسياسية، ويطرح رؤاه و قناعاته و حججه بثقة ومعرفة، حتى يجد خصوم القضية الكردية أنفسهم أمام خطاب فكري متكامل…