لا محال من المراجعة الذاتية كورديا!!..

شكري بكر
بداية لا بد أن نتساءل :
إلى أي مدى يمكن أن تدوم أزمة الحركة السياسية الكوردية في سوريا ، ألا يحين المراجعة الذاتية؟.
المتتبع لأزمة الحركة السياسية الكوردية يرى بأنها ذات أزمة داخلية لا خارجية .
إنه لأمر طبيعي أن تُحمِل الحركة الكوردية النظم المتعاقبة على السلطة في سوريا مسؤولية ما آلت إليه القضية الكوردية وإدامتها لعقود طويلة بدءا من سياسة الإقصاء والإنكار إلى حرمانه من أبسط حقوقه القومية المشروعة .
وهذا يدفع بنا لطرح السؤال:
ما السبب في إستمرار الأخطاء داخل الحركة الكوردية التي تساهم في ضعف نضال الحركة السياسية تجاه قضيته العادلة والمشروعة في سوريا؟.
إن إعتبار بعض الأطراف الكوردية النقد نوع من إعلان الحرب عليهم هذا خطأ فاضح تقع فيه تلك الأحزاب ، بل النقد يفتح آفاقا رحبة أمام تلك الأطراف لتصحيح المسارات الخاطئة في سياساتها التي يبني عليها طموحاته المرجوة .
حيث الأمم لا تُقام بإستمرار الأخطاء ، بل الإعتراف بتلك الأخطاء والعمل على تجاوز ما يعيق تطور الحركة الكوردية سياسيا وتنظيميا .
فكلما زاد الإنقسام زادت مراكز القرار وتزداد الإختراقات الأمنية التي تؤدي إلى تضارب الحسابات الحزبية وتجعل الحركة الكوردية هشاشة أمام الإختراقات السياسية والأمنية .
الإطالة أو بقاء الإنقسام يعني إستحالة الحركة السياسية الكوردية إنجاز أي مشروع وطني سوري وقومي كوردي في آن واحد .
فلا بد من وضع الرجل المناسب في المكان المناسب .
أحيانا تقوم بعض الأحزاب بتكليف أشخاص ممثلين لهم في مجالس أو هيئات نضالية مشتركة دون النظر إلى كفاءاتهم وخلفياتهم السياسية والتنظيمية عند ذلك يتحول هذا التكليف إلى تكليف حزبي بعيدا عن المسؤولية الوطنية والقومية ويراد به إضعاف الموقف ووحدة الصف الكوردي .
إن دل هذا على شيء إنما يدل على دخول الحركة في حالة خصام داخلي .
مؤسف جداً الإستمرار في هكذا السلوك ، الذي يؤدي إلى إستهلاك جزء كبير من النضال الكوردي في صراع داخلي ، الذي يجعل من المنافسة الحزبية إلى الخصام .
والموضوع لن يتوقف عند الخصم بل يتجاوزه كثيرا حيث الإتهامات والتشهير عبر وضع القضية الكوردية جانبا والإنشغال بأمور ثانوية ، وهذا يفتح الباب لأعداء الكورد للإستفادة من حالة الإنقسام المتردي .
إلى جانب ذلك نرى أن تمسك البعض بالمناصب القيادية هو بداية تراجع المشروع القومي الكوردي .
لذا فإن الحركة الكوردية تحتاج إلى التجديد ، ورفض التجديد يعني تعطيل العمل المؤسساتي في إنجاز إطار تمثيلي للشعب الكوردي ، لذا يمكن القول أن القضية الكوردية أكبر من الأحزاب مجتمعة .
لأن القضية الكوردية ليست حكرا أو ملكا لأي شخص ولا لأي حزب ، إنها قضية شعب دفع الثمن من أجلها الآلاف من ضحايا .
فأي حزب لا يضع مصلحة الشعب الكوردي القومية فوق المصالح الحزبية الضيقة يفقد وجوده ، لأن ماهية الحزب تكمن في ما يقدمه للقضية لا بكثرة البيانات أو بفتح مكاتب أو مقرات .
مهما طال القيادي الكوردي في منصبه فإن التاريخ لا يذكر السنوات التي قضاها في القيادة بل يذكر ما حققه للشعب الكوردي .
لذا فإن النضال الكوردي لا علاقة له بالمدة التي يشغله القيادي بمنصبه ، بل له علاقة بإتخاذ القيادي القرار الذي يخدم القضية الكوردية .
يمكن القول هنا إن القيادات الكوردية هم أصحاب الشرعية الحقيقية ضمن إطار يمثل الشعب الكوردي ، وهذا يستوجب المحاسبة والشفافية للوصول إلى تغيير وتطوير المؤسسات الحزبية والإنتقال بها لإقامة إطار يمثل الشعب الكوردي .
الأحزاب وجدت أصلا لتخدم الشعب لا أن يجعل الشعب في خدمة الأحزاب .
بعد سقوط نظام البائد قد دخلت الحركة السياسية الكوردية مرحلة جديدة قد تواجهها بعض الصعوبات أو بالعكس تفتح أمامها آفاقا جديدة لتتمكن من إستثمارها والإستفادة منها ما يخدم القضية الكوردية لا الندم بعد فوات الأوان .
إستخلاص النتائج لا تتحدد بالشعارات بل بالمسؤولية ، لا بكثرة الأحزاب ، بل بقدرة تلك الأحزاب على تجاوز الخلافات والتركيز على الحلقة الرئيسية ، التمسك بالثوابت القومية للشعب الكوردي في سوريا كقضية شعب يعيش على أرضه التاريخية والتمتع بحق تقرير مصيره ضمن إطار نظام لا مركزي تعددي برلماني حر .
أحوج ما نحتاجه هو إصلاح البيت الكوردي من الداخل لا لأنه خيار سياسي بل كضرورة وطنية ، وهذا يقودنا إلى المقولة التالية :
كل حركة لا تملك الجرأة في مراجعة أخطائها لا يمكن لها أن تمتلك القدرة
على صناعة مستقبل أفضل على ما هو عليه .
من هذا المنطلق تأتي أهمية الحديث عن وحدة الحركة السياسية الكوردية في سوريا ، بناءا على ذلك يمكن القول أن المراجعة الذاتية لا بد منها ، لأنها أصبحت ضرورة من ضرورات مواكبة المرحلة ، وهذا يدفعني لطرح السؤال الهام :
ما هي الآفاق أو السبل التي يمكن من خلالها أن تتمكن الحركة الكوردية من تحقيق وحدة الصف والموقف الكورديين؟.
أولا : يجب على الحركة أن تعتمد التغيير كشكل من أشكال التجديد وفتح الطريق أمام الأجيال الشابة المثقفة ليتسنى لها قيادة النضال الكوردي .
ثانيا : يتطلب من الحركة أن تبني مؤسسات متينة وقوية تتبع إطارا للتمثيل الكوردي .
ثالثا : على الحركة القيام بإتاحة المجال أمام الكوادر المثقفة والكفوءة لإدارة مسؤولية النضال سواءا كانت سياسية أم تنظيمية .
هذا هو السبيل الوحيد في جعل الحزب أن يستعيد ثقة الجماهير الكوردية وتعزيز موقفه السياسي والتنظيمي ، بهذا نقترب من ممارسة حق تقرير المصير للشعب الكوردي في سوريا بالسبل الديمقراطية والوسائل المتاحة والممكنة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…

د. عدنان بوزان في هذا الشرق المرهق من التاريخ، لا تزال هناك مفارقة سياسية وثقافية صارخة: يطلب منك أن تتخلى عن قوميتك باسم المواطنة، بينما يتمسك الآخر بقوميته ويفتخر بجذوره؛ ويطلب منك أن تنسى لغتك باسم الوحدة، بينما تحمى لغات الآخرين، وتدرس، وترفع في المؤسسات؛ ويطلب منك أن تتخلى عن تاريخك باسم التعايش، بينما يعاد إنتاج تاريخ الآخرين وتقديمه…

النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود   *حميد بوزأرسلان مدير الدراسات في كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS) ندوة دراسية حول الكُرْد سيدي الرئيس، سيداتي وسادتي، يسعدني جدًا أن أكون معكم اليوم لمناقشة القضية الكردية. في البداية، تساءلتُ عما إذا كان عليّ تقديم لمحة تاريخية شاملة تغطي القرن العشرين بأكمله، أم التركيز أكثر على السنوات الأخيرة.   في النهاية، قررتُ…

اكرم حسين لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق واستقباله من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب لقطة بروتوكولية عابرة، ولا حدثاً يُختزل في حدود العلاقات الثنائية بين دمشق وأربيل. فقد حمل المشهد دلالات سياسية عميقة تتجاوز أبعاد الزيارة ذاتها، خصوصاً مع طبيعة الاستقبال الرسمي ورفع علم كردستان إلى جانب العلم السوري؛…