سري كانيه ..

خوشناف سليمان

المشكلة ليست في القافلة .. المشكلة فيمن يعتقد أن سنوات الغياب تسقط حق أصحاب البيوت
ما جرى اليوم لقافلة أهالي سري كانيه العائدين لا ينبغي أن يقرأ كمشكلة بين مجموعة مسلحة وعائلات كانت في طريقها إلى بيوتها.
المشهد أعمق من ذلك بكثير.
أناس هجروا من مدينتهم انتظروا سنوات ثم عادوا إليها وهم يحملون مفاتيح بيوتهم ووثائق ملكيتهم وذاكرة لم تستطع سنوات النزوح أن تنتزعها منهم.
لكنهم. بدلا من أن يجدوا أبواب بيوتهم مفتوحة. وجدوا السلاح في انتظارهم.
وهنا تحديدا يجب أن نتوقف.
لأن القضية لم تعد فقط. من اعتدى على القافلة؟
القضية هي. كيف أصبح من الممكن أن يقف مسلح في وجه صاحب البيت ويقول له عمليا. لا حق لك في العودة؟
إذا قبلنا بهذه القاعدة. فنحن لا نتحدث عن سري كانيه فقط.
نحن أمام سابقة خطيرة في سوريا كلها.
يهجر الإنسان من بيته بالقوة. ثم يترك سنوات خارج مدينته. ثم يقال له عندما يحاول العودة إن الواقع تغيّر. و إن البيت أصبح لغيره. وإن عليه أن يتعايش مع الأمر الواقع.
أي عدالة هذه؟
الاحتلال المؤقت لا يتحول إلى ملكية بسبب مرور الزمن.
والتهجير لا يتحول إلى تنازل.
والسلاح لا يتحول إلى سند ملكية.
ومن دخل بيت غيره أثناء غيابه لا يصبح صاحبه لمجرد أن صاحب البيت تأخر في العودة.
لكن في المقابل. علينا أن نكون حذرين جداً من الوقوع في الخطأ نفسه الذي أوصلنا إلى هذه المأساة.
لا نريد تهجيراً مضاداً.
ولا نريد الانتقام من مدني بسبب المكان الذي جاء منه.
ولا نريد أن تتحول استعادة حق أهالي سري كانيه إلى ذريعة لاقتلاع عائلات أخرى.
نريد شيئاً أبسط وأصعب في الوقت نفسه. نريد القانون.
من يملك البيت يعود إليه.
ومن لا يملك البيت لا يمنح حقا فيه بقوة السلاح.
ومن تورط في النهب أو الاعتداء أو منع العودة يحقق معه ويحاسب.
ومن لم يرتكب جريمة. مدنيا كان أم غير ذلك. لا يعاقب جماعيا.
هذه هي النقطة التي يجب ألا نضيعها وسط الضجيج السياسي.
لذلك، لا أرى أن الحل هو إعادة القافلة إلى سري كانيه غدا
إرسال العائلات مرة أخرى من دون تغيير الظروف التي أجبرتها على المغادرة سيكون تصرفا غير مسؤول.
قبل أن تتحرك أي قافلة جديدة. يجب أن يحدث الآتي:
أولا: تأمين المدينة بقوة رسمية واضحة. لا بقوة فصيل يمكن أن يتغير موقفه في أي لحظة.
ثانيا: إنهاء وجود المجموعات المسلحة غير القانونية داخل الأحياء المدنية. وإعادة أفرادها إلى مناطقهم أو إخضاعهم للترتيبات الرسمية التي يقرها القانون.
ثالثا: فتح تحقيق حقيقي في اعتداء اليوم. وليس لجنة لامتصاص الغضب. نريد أسماء. وأدوارا. وأوامر. ومسؤوليات.
رابعا: إنشاء ملف موحد لممتلكات مهجري سري كانيه. تكون فيه الوثائق والملكية هي المرجع. وليس النفوذ العسكري.
خامسا: إعادة المنازل والأراضي والمتاجر إلى أصحابها وفق القانون. مع معالجة أوضاع المدنيين المقيمين فيها بطريقة لا تنتج مأساة جديدة.
سادسا: تعويض كل من تعرض للنهب أو التخريب أو فقد ممتلكاته. وإعادة تأهيل البيوت المتضررة قبل عودة أصحابها.
سابعا: وجود جهة مستقلة تراقب عملية العودة وتوثق أي انتهاك. حتى لا يصبح العائد وحيداً أمام السلاح.
وهناك سؤال أكبر لا يجوز الهروب منه
إذا كانت الحكومة السورية وقسد قد وافقتا على مبدأ عودة المهجرين. فمن الذي يستطيع على الأرض أن يمنع هذه العودة؟
وإذا كانت الجهات صاحبة النفوذ في المنطقة قادرة على منع المسلحين من التعرض للعائدين. فلماذا لم تفعل؟
وإذا كانت تركيا تملك نفوذا على الفصائل الموجودة في المنطقة. فهل ستستخدم هذا النفوذ لحماية العودة أم ستترك الأمر للوقائع التي يفرضها المسلحون؟
هذه ليست أسئلة سياسية للترف.
هذه أسئلة تحدد إن كانت هناك سلطة حقيقية أم مجرد تفاهمات لا تستطيع حماية أول قافلة عائدة.
سري كانيه لا تحتاج إلى انتصار فصيل على فصيل
ولا تحتاج إلى تغيير هوية السكان.
ولا تحتاج إلى مهجر جديد.
ولا تحتاج إلى منتصر يرفع راية فوق بيت مهجر.
ما تحتاجه هو أن يعود صاحب البيت إلى بيته. وأن يعيش الجار إلى جانب جاره. وأن تحل الخلافات أمام القضاء. وأن تختفي البندقية من المكان الذي يجب أن يكون فيه القانون.
من يريد فعلا إنهاء مأساة سري كانيه. عليه أن يفهم أن إخراج المسلحين المستولين على ممتلكات الناس ليس عملا انتقاميا. بل خطوة أولى لاستعادة معنى الدولة.
وإذا كان بعض هؤلاء قد ارتكبوا جرائم. فليحقق معهم أمام القضاء.
وإذا ثبتت مسؤوليتهم. فليحاسبوا.
لا حصانة لفصيل.
ولا حصانة لشخص يحمل السلاح.
ولا حماية لمن يعتدي على حق العودة.
وفي الوقت نفسه. لا يجوز أن يتحول الحساب إلى حساب جماعي. ولا أن يصبح العربي مسؤولا عن جريمة عربي آخر. أو الكردي عن جريمة كردي آخر. أو أي إنسان مسؤولا عن جريمة لم يرتكبها.
هذه هي العدالة التي نحتاجها.. فردية. قانونية. بلا انتقام.
وأقولها بصراحة:
إن إخراج قافلة من سري كانيه بالقوة بعد أن جاءت لتعود إلى بيوتها ليس مجرد إخراج أشخاص من مدينة.
إنه محاولة لإثبات أن الأمر الواقع أقوى من الاتفاق. وأن البندقية أقوى من وثيقة الملكية. وأن سنوات التهجير يمكن أن تستخدم لإعادة كتابة حقوق الناس.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تمر.
لأن قبولها اليوم في سري كانيه يعني أن أي مهجر سوري في أي مكان قد يسمع غدا الرسالة نفسها.
غبت طويلا .. ولذلك لم يعد بيتك بيتك.
لا.
البيت لا يسقط حق صاحبه لأن الحرب أبعدته عنه.
والهوية لا تمحى بالتهجير.
والملكية لا تنقل بالبندقية.
ومن يريد أن يبني سوريا جديدة. فليبدأ من هذه القاعدة البسيطة .. لا أحد فوق القانون ولا أحد يقتلع من بيته مرتين.
سري كانيه ليست غنيمة.
إنها امتحان حقيقي لمعنى الدولة ومعنى العدالة. ومعنى العودة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سيروان حاج بركو 1. عاد نازحون إلى سري كانيه/رأس العين، وتعرض بعض العائدين لهجوم مسلح. 2. السلطة تحدثت عن الحادثة بوصفها «مشاجرة». وإعلام السلطة، الذي يفترض أن يكون إعلام الدولة، نقل موقف السلطة من دون تقديم معلومات كافية حول ما حدث فعلاً وملابساته. 3. خرجت في عدة مدن في محافظة الحسكة وفي كوباني مظاهرات سلمية احتجاجاً على ما حدث في…

شادي حاجي لقد طال انتظار أهالي سره كانيي / رأس العين، وآن الأوان لأن تتحول عودتهم إلى عودة آمنة وكريمة ومستدامة، لا إلى مجرد عبور حاجز أو دخول قافلة إلى المدينة. فالعودة الحقيقية تعني أن يعود المواطن إلى منزله آمناً، وأن يستعيد ممتلكاته وفق القانون، وأن تحميه الدولة من الاعتداء والتهديد والإكراه. وما تعرّض له بعض العائدين من إهانة…

كاوى ازيزي ما قام به العرب الوافدين بحق اهلنا الكورد العائدين الى ديارهم امر مستنكر ومرفوض. انزال العلم الوطني كاحتجاج من قبل الابوجية ضد تصرف العرب الوافدين ، مستنكر ومدان . هؤلاء العرب يمثلون انفسهم ولا يمثلون كل السوريين . ومن ينزل العلم الوطني الممثل لكل السوريين لا يمثلون الكورد . كلا ، لتصرف العرب الوافدين والمغتصبين لمنازل الكورد ومنعهم…

ابراهيم برو بينما تواصل الفريق الرئاسي جهودها لإعادة المهجرين إلى سري كانية -رأس العين، وتتابع الفرق المكلفة عملها بجدية رغم محاولات العرقلة، تفاجأنا اليوم بمشاهد مؤسفة أمام الكاميرات، حيث تعرض العائدون الكرد العزل للضرب والتهديد، رغم ان بيوتهم نهبت وسرقت محتويات منازلهم ومحلاتهم منذ سبع سنوات. في مشهد موازي، استغل بعض الشباب غير منضبط ، خاصة ما تسمى بالشبيبة الثورية…