م. عبدالباقي علي
ليست كل التحولات الكبرى تبدأ بإعلان رسمي، ولا كل التغييرات الدستورية تبدأ بتعديل نصوص القانون. ففي كثير من الأحيان، يتغير جوهر النظام السياسي قبل أن يتغير اسمه، وتُعاد صياغة الدولة من خلال بناء المؤسسات، وتوزيع الصلاحيات، وإعادة تعريف دور السياسة نفسها.
ومن هنا، يبرز سؤال يفرض نفسه على كل من يتابع الشأن السوري: هل ما نشهده اليوم يمثل مرحلة انتقالية فرضتها ظروف الحرب، أم أنه يؤسس تدريجيًا لنموذج سياسي جديد سيصبح الإطار الدائم للدولة السورية؟ وهل تسير البلاد نحو استعادة الجمهورية بوصفها نظامًا يقوم على المشاركة السياسية وتوازن السلطات، أم أن ملامح نظام مختلف بدأت تتشكل، حتى وإن احتفظ بالاسم الجمهوري؟
لا أطرح هذه الأسئلة بوصفها اتهامًا للسلطة الحالية، ولا باعتبارها حكمًا نهائيًا على نواياها، فالنوايا لا يعلمها إلا أصحابها. وإنما هي محاولة لقراءة المسار السياسي من خلال الوقائع المعلنة، وربطها ببعضها لاستشراف الاتجاه الذي قد تسير إليه الدولة. فالأنظمة السياسية لا تُقاس فقط بخطاباتها، بل أيضًا بمؤسساتها، وبطريقة توزيع السلطة، وبالعلاقة التي تنشئها بين الحاكم والمحكوم.
الجمهورية ليست اسمًا… بل فلسفة حكم
يختزل كثيرون مفهوم الجمهورية في غياب الملك أو الأمير، لكن هذا الفهم يبقى ناقصًا. فالجمهورية الحديثة ليست مجرد تسمية دستورية، وإنما منظومة سياسية تقوم على مبادئ واضحة، في مقدمتها أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن السلطة موزعة بين مؤسسات مستقلة نسبيًا، وأن البرلمان يمثل الإرادة الشعبية، وأن الحكومة تخضع للمساءلة، وأن تداول السلطة يظل مبدأً قائمًا، حتى وإن تعثر تطبيقه في بعض المراحل.
وفي المقابل، قد تحمل دولة اسم “الجمهورية” بينما تتركز فيها السلطات جميعًا في يد شخص أو دائرة ضيقة، فتغدو الجمهورية شكلًا قانونيًا أكثر منها حقيقة سياسية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستبقى سوريا جمهورية من حيث الاسم؟ بل: هل ستبقى جمهورية من حيث المضمون؟
البرلمان… هل هو سلطة أم مؤسسة تمثيلية؟
من أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها طبيعة السلطة التشريعية التي يجري تشكيلها اليوم.
فمجلس الشعب جاء بالتعيين لا بالانتخاب، مع تأكيدات متكررة بأن وظيفة أعضائه تتمثل في تمثيل المناطق، ونقل المطالب الخدمية، والمشاركة في مناقشة القوانين، دون أن يكون إطارًا لتشكيل كتل سياسية، أو إنتاج أغلبية ومعارضة، أو تشكيل الحكومات، أو محاسبتها بصورة تجعلها مسؤولة سياسيًا أمام البرلمان.
قد يرى البعض في هذا الخيار ضرورة فرضتها المرحلة الانتقالية، ورغبة في تجنب الاستقطابات التي قد تعرقل إعادة بناء الدولة. لكن في المقابل، يطرح هذا التوجه سؤالًا مشروعًا حول طبيعة الدور الذي يُراد للبرلمان أن يؤديه.
فالبرلمان في الأنظمة الجمهورية ليس مجلسًا للخدمات، ولا هيئةً استشارية فحسب، بل هو أحد المراكز الأساسية لإنتاج القرار السياسي. فمن داخله تتنافس البرامج، وتتشكل التحالفات، وتناقش الموازنات العامة، وتُمارس الرقابة على السلطة التنفيذية، وقد تُسقط الحكومات عبر الآليات الدستورية.
أما إذا اقتصر دوره على تمثيل المناطق ونقل مطالبها، فإن وظيفته تقترب من دور المجالس الاستشارية أو مجالس الأعيان أو الشورى، التي تناقش وتوصي، لكنها لا تنازع السلطة التنفيذية في القرار السياسي.
وهنا لا يتعلق الأمر بكفاءة أعضاء المجلس أو نزاهتهم، وإنما بطبيعة المؤسسة نفسها، وحدود الصلاحيات التي تُمنح لها.
أين السياسة؟
من اللافت أيضًا أن الخطاب الرسمي يركز بصورة كبيرة على مفاهيم الكفاءة، والإدارة، وإعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، وهي جميعها أهداف لا خلاف على أهميتها، لكنه يتحدث بدرجة أقل عن التعددية السياسية، أو الحياة الحزبية، أو بناء برلمان يقوم على التنافس بين البرامج والرؤى المختلفة.
وكأن السياسة، بوصفها مساحة مشروعة للاختلاف والتنافس السلمي، أصبحت عنصرًا ثانويًا، أو حتى مصدرًا للفوضى ينبغي الحد منه.
لكن التجارب السياسية تشير إلى أن السياسة لا تختفي عندما تُمنع من المؤسسات، بل تنتقل إلى خارجها، حيث تمارس عبر شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية ومراكز القوة غير الرسمية، وهو ما يجعلها أقل شفافية وأبعد عن الرقابة والمساءلة.
إن غياب الأحزاب لا يعني غياب السياسة، بل يعني فقط أن السياسة ستُمارس بوسائل أخرى، خارج الإطار المؤسسي الذي يفترض أن ينظمها.
الدستور… ومن يملك شرعية كتابته؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة إذا أخذنا في الاعتبار أن المجلس نفسه سيكون معنيًا بإقرار دستور دائم للبلاد.
والدستور ليس قانونًا عاديًا، بل هو الوثيقة التي تحدد هوية الدولة، وتوزع السلطات، وترسم العلاقة بين المواطن والحاكم، وتضع الضمانات الأساسية للحقوق والحريات.
ومن هنا يبرز سؤال لا يتعلق بمضمون الدستور فقط، بل بالجهة التي ستمنحه شرعيته.
فإذا كان المجلس الذي سيقره معينًا، ولا يعكس تعددية سياسية حقيقية، ولا يستند إلى انتخابات تنافسية، فإن الدستور سيُنظر إليه، بطبيعة الحال، بوصفه أقرب إلى التعبير عن رؤية السلطة القائمة، أكثر من كونه ثمرة توافق وطني واسع.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن نصوصه ستكون سلبية أو تفتقر إلى الجودة القانونية، فالقضية هنا ليست في الصياغة وحدها، وإنما في مصدر الشرعية السياسية التي يستند إليها العقد الاجتماعي الجديد.
(الجزء الثاني)
أثر الخلفية الفكرية
من الصعب أيضًا تجاهل الخلفية الفكرية للقيادة الحالية عند محاولة فهم طبيعة الدولة التي يجري بناؤها. فالنخب السياسية لا تصل إلى الحكم وهي صفحة بيضاء؛ بل تحمل معها تجاربها السابقة، ورؤيتها للعلاقة بين السلطة والمجتمع، ومفهومها للدولة ومؤسساتها.
فالقيادة الحالية خرجت من مسار سياسي وعسكري بدأ مع جبهة النصرة، ثم تطور لاحقًا إلى هيئة تحرير الشام، قبل أن تدخل مرحلة جديدة تختلف في خطابها السياسي وممارساتها الإدارية، بفعل التحولات الداخلية والمتغيرات الإقليمية والدولية.
ولا يعني التذكير بهذه الخلفية أن السلطة تسعى بالضرورة إلى إعادة إنتاج تلك التجربة كما كانت، كما لا يعني تجاهل التحولات التي طرأت عليها خلال السنوات الأخيرة. فالانتقال من العمل العسكري إلى إدارة الدولة يفرض مراجعات كبيرة، ويضع أي قيادة أمام تحديات تختلف جذريًا عن ظروف الصراع.
لكن من الطبيعي أيضًا أن تترك الخلفية الفكرية أثرًا في تصور الدولة. فكل تيار سياسي يحمل رؤية معينة للعلاقة بين الحاكم والمؤسسات، وبين الدولة والمجتمع، وبين الحرية والاستقرار، وبين الدين والسياسة.
ولذلك فإن السؤال المشروع ليس: هل ستعود التجربة السابقة كما كانت؟ بل: ما الذي بقي من تلك المرجعية في الرؤية الجديدة للدولة؟ وهل تنعكس هذه الرؤية في شكل المؤسسات التي يجري بناؤها اليوم؟
إرث الدولة السورية قبل عام 2024
وفي المقابل، سيكون من غير المنصف تفسير كل ما يجري اليوم انطلاقًا من الخلفية الفكرية للسلطة الحالية وحدها.
فسوريا لا تبدأ من نقطة الصفر، بل ترث أيضًا إرثًا سياسيًا وإداريًا ثقيلاً خلفه حكم حزب البعث على امتداد عقود. ففي ظل ذلك النظام تراجعت الحياة الحزبية الحقيقية، وضعفت المنافسة السياسية، وتحولت مؤسسات كثيرة إلى أطر شكلية تؤدي وظائف محددة دون أن تمتلك استقلالًا فعليًا في صناعة القرار.
كما ترسخت ثقافة مركزية السلطة، وأصبح اتخاذ القرار محصورًا بدرجات متفاوتة في قمة الهرم السياسي، بينما تراجعت أدوار المؤسسات الرقابية والتشريعية، وغلبت الاعتبارات الأمنية والإدارية على العمل السياسي.
ولذلك فإن بعض الظواهر التي نراها اليوم قد تكون استمرارًا لبنية الدولة التي تشكلت خلال العقود الماضية، بقدر ما قد تكون تعبيرًا عن رؤية السلطة الجديدة. ومن هنا فإن أي قراءة منصفة للمشهد السوري ينبغي أن تميز بين الإرث الذي ورثته السلطة الحالية، وبين الخيارات السياسية التي تتخذها بنفسها.
من الدولة المركزية إلى إعادة تعريف السياسة
إذا جمعنا المؤشرات المختلفة معًا، فإننا نجد صورة تستحق التأمل.
برلمان معين.
صلاحيات سياسية محدودة.
غياب التنافس الحزبي.
منع الكتل البرلمانية.
حكومة لا تستمد شرعيتها من أغلبية نيابية.
تركيز واضح للسلطة التنفيذية.
ودستور دائم سيقره مجلس معين.
كل عنصر من هذه العناصر قد يجد له تفسيرًا منفصلًا، لكن السياسة لا تُقرأ من خلال الوقائع المعزولة، وإنما من خلال الصورة الكاملة التي تنتجها هذه الوقائع عندما تجتمع.
وعند النظر إليها مجتمعة، يبدو أن الاتجاه العام يسير نحو تعزيز مركزية السلطة، وتقليص المجال السياسي، وإعادة تعريف المؤسسات بوصفها أدوات لإدارة الدولة وتنظيمها، أكثر من كونها أدوات لتوزيع السلطة ومراقبتها.
وهذا التحول لا يقتصر على الجوانب الدستورية، بل يمتد إلى مفهوم السياسة نفسه. فإذا أصبحت السياسة تُختزل في الإدارة والكفاءة والخدمات، بينما يتراجع دور التنافس بين البرامج والرؤى المختلفة، فإننا نكون أمام تصور مختلف لطبيعة الدولة ووظيفة مؤسساتها.
هل نحن أمام نموذج أميري؟
هنا أصل إلى النقطة التي قد تبدو الأكثر إثارة للنقاش.
أنا لا أقول إن السلطة الحالية قررت إقامة إمارة سياسية، ولا أزعم وجود مشروع معلن لتغيير النظام بهذا الاسم.
لكنني أتساءل: هل النموذج الذي يتشكل اليوم يقترب، في بنيته ووظيفته، من نموذج تتركز فيه السلطة بصورة كبيرة في مركز واحد، بينما تؤدي بقية المؤسسات أدوارًا مساندة أكثر من كونها سلطات مستقلة؟
إن المقصود هنا ليس الإمارة بوصفها تسمية رسمية للدولة، بل بوصفها توصيفًا لنمط من أنماط الحكم، حيث تكون شرعية القيادة هي المحور الأساسي للنظام، بينما تتراجع الوظائف السياسية للمؤسسات الأخرى.
فإذا أصبح البرلمان يمنح الشرعية أكثر مما يصنع القرار، وإذا غابت المنافسة السياسية المنظمة، وإذا لم تعد الحكومة مسؤولة سياسيًا أمام ممثلي الشعب، فإن الفارق بين الشكل الجمهوري والمضمون الجمهوري يبدأ في الاتساع.
وعندها يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام جمهورية تتطور مؤسساتها، أم أمام نظام جديد يحتفظ باسم الجمهورية بينما يعيد تعريف مضمونها؟
لماذا يثير هذا النقاش أهمية؟
قد يرى البعض أن هذه الأسئلة سابقة لأوانها، وأن الأولوية اليوم هي لإعادة الأمن، وإنعاش الاقتصاد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات الحرب.
ولا شك أن هذه أولويات حقيقية لا يمكن التقليل من شأنها.
لكن بناء الدولة لا يقتصر على إعادة الإعمار أو استعادة الخدمات، بل يشمل أيضًا بناء قواعد الحكم التي ستنظم الحياة السياسية لعقود مقبلة.
فالقرارات التي تُتخذ في المراحل الانتقالية كثيرًا ما تتحول إلى قواعد دائمة، إذا لم تكن هناك إرادة واضحة لمراجعتها لاحقًا.
ولهذا فإن مناقشة شكل النظام السياسي اليوم ليست ترفًا فكريًا، بل جزء من النقاش حول مستقبل سوريا نفسها، وحول طبيعة الدولة التي ستولد بعد سنوات الحرب الطويلة.
(الجزء الثالث والأخير)
حجج السلطة… وحجج المنتقدين
من الإنصاف، قبل الوصول إلى أي استنتاج، أن تُعرض الحجج التي يمكن أن يستند إليها أنصار المسار الحالي.
فهم قد يقولون إن سوريا خرجت من واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخها الحديث، وإن الدولة واجهت خطر التفكك والانهيار، وإن الأولوية في هذه المرحلة ليست للتنافس الحزبي، بل لاستعادة الأمن، وإعادة بناء المؤسسات، وتحقيق الاستقرار، وإطلاق عجلة الاقتصاد.
وقد يضيفون أن المجتمعات الخارجة من النزاعات لا تستطيع الانتقال دفعة واحدة إلى حياة سياسية كاملة، وأن كثيرًا من الدول مرت بمراحل انتقالية توسعت فيها صلاحيات السلطة التنفيذية قبل أن تعود تدريجيًا إلى التوازن بين المؤسسات.
وهذه حجج لا يمكن تجاهلها، بل تستحق النقاش بجدية، لأن أي دولة تخرج من حرب أهلية أو صراع طويل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على منع الفوضى وإعادة فرض سيادة القانون.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل توجد رؤية واضحة تحدد متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟ وما هي المعايير التي ستُعتمد للانتقال إلى حياة سياسية طبيعية؟
فالاستثناء يصبح خطرًا عندما يفقد طابعه المؤقت، ويتحول إلى قاعدة دائمة.
وإذا لم تكن هناك خارطة طريق واضحة لتوسيع المشاركة السياسية، وإجراء انتخابات حرة، وتعزيز استقلال المؤسسات، فإن السلطة الاستثنائية قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى نموذج دائم للحكم.
الدولة القوية… أم المؤسسات القوية؟
ليس الخلاف في جوهره بين من يريد دولة قوية ومن يريد دولة ضعيفة.
فكل مجتمع يحتاج إلى دولة قادرة على حماية الأمن، وفرض القانون، وصيانة وحدة البلاد.
لكن التجارب السياسية الحديثة أثبتت أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرة السلطة التنفيذية، وإنما أيضًا بقوة المؤسسات التي تعمل داخلها، وبقدرتها على تصحيح الأخطاء، ومراقبة السلطة، ومنع احتكار القرار.
فالأنظمة التي تربط استقرار الدولة بشخص أو مجموعة محدودة قد تبدو مستقرة في المدى القصير، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تواجه أزمات كبرى أو انتقالًا في القيادة.
أما الدول التي تبني مؤسسات مستقلة وقواعد واضحة لتداول السلطة، فإنها تكون أكثر قدرة على الاستمرار، لأن قوتها لا تعتمد على الأشخاص، بل على النظام نفسه.
ولهذا فإن بناء مؤسسات قوية ليس تهديدًا للاستقرار، بل هو أحد أهم شروط استمراره.
ما الذي يريده السوريون؟
بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من الحرب، والانقسام، والنزوح، والانهيار الاقتصادي، يبدو أن معظم السوريين يشتركون في رغبة واحدة: أن تستعيد الدولة قدرتها على تأمين الأمن والخدمات وفتح أبواب العمل والحياة الطبيعية.
لكن هذه الرغبة لا تلغي سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ما طبيعة الدولة التي يريدها السوريون بعد انتهاء الحرب؟
هل يريدون دولة تقوم على المشاركة السياسية، وتداول السلطة، واستقلال المؤسسات؟
أم دولة تتركز فيها السلطة في مركز واحد، على أساس أن ذلك يحقق الاستقرار ويمنع الانقسام؟
الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تقدمها سلطة بمفردها، ولا معارضة بمفردها، وإنما ينبغي أن تكون ثمرة نقاش وطني واسع يشارك فيه السوريون بمختلف اتجاهاتهم السياسية والفكرية والاجتماعية.
فإعادة بناء الطرق والجسور والمصانع ضرورة لا خلاف عليها، لكن إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع لا تقل أهمية عن إعادة بناء الحجر.
الجمهورية… بين الاسم والمضمون
لقد علمتنا التجارب السياسية أن أسماء الدول لا تكفي لفهم طبيعة أنظمتها.
فكم من دولة حملت اسم “الجمهورية” دون أن تقوم على مبادئها، وكم من نظام احتفظ بمؤسسات دستورية ظاهريًا، بينما كانت السلطة الفعلية متركزة في دائرة ضيقة لا تخضع لرقابة حقيقية.
ولهذا فإن النقاش حول مستقبل سوريا لا ينبغي أن ينشغل بالأسماء وحدها، بل بالمضمون.
فإذا كانت المؤسسات المنتخبة ضعيفة، وإذا غابت الحياة الحزبية، وإذا لم يعد البرلمان مركزًا للنقاش السياسي وصناعة القرار، وإذا انحصرت السلطة الفعلية في مركز واحد، فإن السؤال عن طبيعة النظام يصبح سؤالًا مشروعًا، بغض النظر عن التسمية الرسمية للدولة.
خاتمة
لا يمكن لأحد اليوم أن يجزم بالاتجاه النهائي الذي ستسلكه سوريا. فما تزال البلاد تعيش مرحلة انتقالية معقدة، وما تزال مؤسساتها في طور التشكل، وقد تحمل السنوات المقبلة تطورات تعزز المشاركة السياسية وتوسع صلاحيات المؤسسات المنتخبة، كما قد تسير في اتجاه مغاير يرسخ مركزية السلطة ويجعلها السمة الغالبة للنظام الجديد.
ولذلك، فإن هذا المقال لا يدّعي امتلاك الحقيقة، ولا يزعم معرفة النيات أو التنبؤ بالمستقبل، بل يقدم قراءة سياسية لمسار قائم، انطلاقًا من مؤشرات تستحق النقاش العام.
وفي تقديري، فإن القضية الأساسية ليست ما إذا كانت سوريا ستحمل اسم “الجمهورية السورية”، بل ما إذا كانت ستتبنى، في جوهر نظامها السياسي، المبادئ التي تقوم عليها الجمهورية الحديثة: المشاركة الشعبية، والفصل بين السلطات، واستقلال المؤسسات، وخضوع السلطة للمساءلة.
فقد تبقى الأسماء على حالها، بينما تتغير المضامين. وقد تُرفع الشعارات نفسها، بينما تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع بطريقة مختلفة تمامًا.
وفي النهاية، فإن مستقبل سوريا لن تحدده النصوص الدستورية وحدها، بل ستحدده طبيعة المؤسسات التي تُبنى، وحدود السلطة التي تُمنح لها، والمساحة التي تُترك للمجتمع كي يشارك في صنع مستقبله.
فالتاريخ لا يتذكر كثيرًا أسماء الأنظمة بقدر ما يتذكر الكيفية التي حكمت بها، والحقوق التي صانتها، والمؤسسات التي تركتها للأجيال القادمة. وربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن يشغل السوريين اليوم: أي دولة نريد أن نورثها لمن سيأتي بعدنا؟
الكاتب
م. عبد الباقي علي