في الزوايا البعيدة عن الضوء

شـــــــريف علي

داخل الحركات السياسية وفي الزوايا التي لا يصلها الضوء، تتحرك كائنات صغيرة تصنع أثرًا أكبر بكثير من حجمها، وتعيد تشكيل المشهد السياسي من خلف ستار لا يراه أحد. هناك، في تلك المساحات التي تتقاطع فيها المصالح وتختفي فيها الشفافية، تنمو ظواهر لا علاقة لها بالعمل السياسي النبيل، لكنها قادرة على توجيه دفة الحركة كما تشاء .

فأية حركة سياسية، مهما كان شعارها أو حجم قاعدتها الشعبية، تظهر فيها فئة غريبة من الكائنات التنظيمية الصغيرة التي  تفتقرإلى رأس المال السياسي الحقيقي، تتسلل بين الصفوف وتعيش على الهامش، لكنها تمتلك قدرة غير عادية على التأثير في مسار الحركة من الداخل. هؤلاء ليسوا مجرد أفراد عابرين، بل هم نتاج بيئة حزبية مضطربة، تتغذى على ضعف البنية التنظيمية، وغياب الشفافية، وتضخم المصالح الشخصية، وتراكم الولاءات الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى شبكات نفوذ خفية، هذه الفئة لا تظهر في النقاشات الفكرية، ولا تشارك في صياغة البرامج، ولا تملك رؤية سياسية أو مشروعًا حقيقيًا. لكنها تتقن فن البقاء، وتعرف جيدًا كيف تقترب من مراكز النفوذ، وكيف تتسلق عبر العلاقات الشخصية بدل الكفاءة. وجودهم لا يرتبط بقدرتهم على الإقناع أو العمل، بل بقدرتهم على التملق، وتمجيد الرموز المقدسة، ونقل الكلام، وصناعة التحالفات الهشة التي تُبقيهم في دائرة الضوء دون أن يقدّموا شيئًا يُذكر.

خطورة هؤلاء في أنهم لا يعملون لصالح الحركة، وبرنامجه النضالي، بل لصالح أنفسهم. فهم يزرعون الشك بين الأعضاء، ويغذّون الصراعات الداخلية، ويستثمرون في الانقسامات بدل تجاوزها. كلما اشتد الخلاف، ازداد حضورهم، لأن الفوضى هي البيئة المثالية التي تسمح لهم بالتمدد. وحين تحاول الحركة إصلاح نفسها، يكونون أول من يقاوم التغيير، لأن أي إصلاح حقيقي يهدد مواقعهم الهشة التي بنوها عبر سنوات من المناورة والالتفاف على القواعد .

لا يملكون مشروعًا سياسيًا، لكنهم يملكون قدرة هائلة على تعطيل مشاريع الآخرين، لا يطرحون أفكارًا، لكنهم بارعون في إسقاط الأفكار المطروحة. لا يساهمون في البناء، لكنهم يتقنون الهدم. ومع مرور الوقت، تتحول الحركة السياسية إلى ساحة صراع بين من يريد التقدم ومن يريد الحفاظ على شبكة مصالحه الصغيرة، وتصبح القرارات رهينة لمجموعة من الأصوات التي لا تمثل القاعدة الحقيقية للحركة، بل تمثل مصالح ضيقة لا علاقة لها بالسياسة أو المصلحة العامة، والمفارقة أن هذه الفئة لا تختفي بسهولة. فهي مثل بعض الكائنات الحقيقية، تتكيف مع الظروف، وتعرف كيف تختبئ، وتعود للظهور كلما سنحت الفرصة .

التخلص منها لا يكون بالصراخ أو الغضب، بل ببناء مؤسسات قوية، وقواعد واضحة، وآليات شفافة للمحاسبة. فحين تصبح الحركة قائمًا على الكفاءة لا الولاء، وعلى البرامج لا العلاقات، وعلى العمل لا الثرثرة، عندها لن يجد هؤلاء – صراصير السياسة – مكانًا يعيشون فيه .

إن تلك الكائنات ليست مشكلة أفراد، بل مشكلة بيئة تسمح لهم بالوجود. وكل حركة يريد أن يحافظ على نفسه ويستعيد دوره الحقيقي، عليه أن يواجه هذه الظاهرة بشجاعة، وأن يعيد الاعتبار للسياسة كعمل نبيلي تكون مصلحة الجماهير في أولويات برنامجه، لا كساحة للمناورات الصغيرة، فالحركة السياسية التي لا تطهر نفسها من الداخل، لن تستطيع أن تغير شيئًا في الخارج، وستظل أسيرةً لتلك الكائنات الصغيرة التي تتحرك في الزوايا التي يهرب منها الضوء .

 

 13  يناير 2026  

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…