نظرة أخرى إلى البديل الوحيد للنظام الإيراني!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)

إن الاعتراف بوجود بديل ديمقراطي للنظام الحاكم في إيران ليس بالأمر الصعب، خلافاً لما تحاول بعض الأجواء الممنهجة تصويره. هذه الحقيقة لا تتطلب تحليلات معقدة، بل تحتاج فقط إلى نظرة صادقة لساحة انتفاضة الشعب الإيراني. لقد نشرت المقاومة الإيرانية حتى الآن أسماء ما يقرب من 1100 شهيد من شهداء انتفاضة يناير (كانون الثاني) 2026. وهي إحصائية تعكس بلا شك جزءاً صغيراً فقط من الواقع الموجود، بالنظر إلى الرقابة والقمع والأجواء الأمنية المشددة.

وثائق لا تقبل الإنكار في انتفاضة الشعب الإيراني

إن هذه الإحصائيات المعلنة بحد ذاتها تعبر عن الأبعاد الواسعة للانتفاضة. فجمع الأسماء والمواصفات وهوية شهداء الانتفاضة أمر مستحيل عملياً دون وجود تشكيلات منسجمة ونشطة، خاصة داخل البلاد. وهذا يدل على أن انتفاضة الشعب الإيراني ليست حركة عفوية ومؤقتة، بل هي نتاج تنظيم وترابط اجتماعي واستعداد مسبق. وبعبارة أخرى، إنها تشير إلى وجود قوة منظمة في قلب الانتفاضة.

صورة واقعية لإيران الحالية

إن النظرة الفاحصة لتركيبة شهداء الانتفاضة تقدم صورة واضحة عن ماهيتها؛ فهم ينتمون إلى مختلف الأعمار، والأجناس، والأديان والم‍ذاهب، والقوميات، ومن جميع أنحاء الجغرافيا الإيرانية. هذا التنوع هو أفضل رد على أولئك الذين يحاولون حصر الانتفاضة في فئة أو منطقة معينة. إنها تقدم صورة واضحة لإيران التعددية والمتحدة؛ إيران التي تطالب فيها جميع فئات المجتمع بإنهاء الدكتاتورية الدينية، ويمتلكون مقاومة تريد أن تكون “صوت المنتفضين”.

تمثيل إيران الديمقراطية

تركيبة شهداء الانتفاضة هي رمز لإيران حرة وديمقراطية وتعددية. إنهم ممثلو شعب توحد في مطلب مشترك رغم الاختلافات. ولهذا السبب، أطلقت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، على شهداء هذه الانتفاضة لقب «أحياءُ الأحياء»؛ لأن حضورهم وتأثيرهم لا يقتصر على حياتهم، بل تحولت دماؤهم إلى محرك لاستمرار النضال.

الشباب الإيراني.. القوة الطليعية للانتفاضة

في خضم ذلك، يبدو دور الشباب الإيراني بارزاً وحاسماً، حيث يشكل الشباب غالبية شهداء الانتفاضة. إنه جيل لم يعد مستعداً لتحمل الإذلال والقمع وفقدان الأفق. هذا الجيل لا يرى الدكتاتورية الدينية شرعية ولا قابلة للإصلاح. الشاب الإيراني واعٍ، يعرف التجربة التاريخية، ولا ينخدع بالوعود الفارغة؛ فهو لا يقبل التزييف ويرى مستقبله رهناً بالحرية.

فشل مشروع الدكتاتورية

حاول النظام الحاكم على مدى عقود، عبر الرقابة وتحريف التاريخ والقمع المنظم، إبعاد الشباب عن حقائق ماضي إيران وحاضرها، لكن هذا المشروع فشل. شباب إيران اليوم لم يكتفوا بالوعي السياسي فحسب، بل تحولوا، بفضل التنظيم المنسجم والقيادة المحددة، إلى قوة حاسمة في تحولات البلاد؛ يقفون في الخطوط الأمامية ويمثلون أمل المجتمع.

تصريحات مسؤولي النظام تؤكد هذه الحقيقة دون قصد؛ فاعترافهم بتنظيم الاحتجاجات، وتزامنها في مدن مختلفة، ودخولها مراحل “خطيرة”، يظهر أن انتفاضة الشعب الإيراني قد خرجت عن سيطرة الحكومة. هذه الاعترافات تُسقط الرواية الرسمية للنظام التي تصف الاحتجاجات بأنها “محدودة” و”مشتتة”.

انتفاضة يناير.. نقطة تحول تاريخية

 لم تكن انتفاضة يناير 2026 حدثاً عابراً، بل هي نقطة تحول في تاريخ نضال الشعب الإيراني. أظهرت هذه الانتفاضة أن المجتمع الإيراني دخل مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يريد فيها الشعب التغيير فحسب، بل هو مستعد لدفع الثمن. وهذا يعبر، قبل كل شيء، عن وجود بديل حقيقي وديمقراطي في مواجهة الدكتاتورية الحاكمة.

أثبتت هذه الانتفاضة أيضاً أن الوضع لن يعود إلى الماضي. جبهة الشعب أصبحت “متحدة” أكثر من أي وقت مضى، وانتفاضتهم أصبحت “راديكالية”، وسينالون ما يريدون. التيارات التي تزيف واقع ساحة انتفاضة الشعب الإيراني بأشكال مختلفة لا يمكنها أن تكون بديلاً ديمقراطياً للنظام الدكتاتوري؛ فجمع أسماء الشهداء وتوثيق أحداث الانتفاضة يتطلب تنظيماً قبل كل شيء، وقبل التنظيم يتطلب وجود قوى في الميدان. والجميع يعلم أن عدداً كبيراً من الشهداء كانوا من أعضاء «وحدات المقاومة» المرتبطة بالمقاومة الإيرانية. وبالنظر إلى الظروف الراهنة، فمن المؤكد أن الواقع أكبر بكثير مما تم الإعلان عنه.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
2 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
5 شهور

فقط يريدون تغيير السلوك،وليس تغيير النظام…والشعب الايراني نصيبهم بالجنة…

زاكروس
زاكروس
5 شهور

موقف المعارضة الفارسية من القضية الكوردستانية لا يختلف عن موقف نظام الملالي

اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…