أوجلان يبارك قَتَلة الكرد

ماجد ع محمد

كان من الممكن أن يكون عنوان مادتنا كالآتي: “أوجلان يبارك قتل محبيه”، ولكن بما أن الكتابة لدى الصحفي تتطلب الدقة والموضوعية، لذا لم أفضِّل العنوان الثاني، وطبعًا لم يأتي اختياري من باب الرأفة بمشاعر عشاق أوجلان والمعتصمين بما تبقّى من فلسفته، إنما لإيماننا بأن الميل للواقعية أبدى من العناوين الشعرية أو العناوين المفارقاتية أو العناوين الصادمة، بالرغم من جانبها التشويقي، وذلك باعتبار أن الذين يُقتلون إبان الصراع الدائر في سوريا من القاطنين في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ليسوا بالجملة من أنصار نزيل بانسيون إمرالي، إنما العكس، فأغلبهم من المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة إبان حكم أيّ سلطة من سلطات الأمر الواقع في سوريا.

ومن كل بدّ أن الطائرة المسيَّرة ومقذوفات الدبابات والمدافع لا تصيب الأهداف حسب هوى ومزاج الذي يأمر بالرمي أو الذي يقوم بالقصف، ولا تتم إصابة الأهداف بناءً على الهوية القومية أو الدينية أو المذهبية، فالمستهدفون على اختلاف هوياتهم ومشاربهم سواسية أمام آلة الموت. وللدقة أكثر، فليس كل من يُقتل في مناطق سيطرة قوات قسد هم كرد، إنما العرب والمسيحيين الموجودين هناك أيضًا ضحايا القصف والتدمير، ولكن بما أن غالبية القتلى من القومية الكردية، لذا كان السبب في اختيار العنوان وتحديد هوية المقتولين.

ولكن الشيء الصادم هذه المرة هو أن دهاقنة المنظومة الأوجلانية كانوا في السابق يعملون في إطار التضحية بأكبر قدر ممكن من الكرد من أجل إنعاش الفلسفة الأوجلانية كلما شابها الفتور في مرحلة تاريخية ما، باعتبار أن منهج تلك الفلسفة قائم على التضحية بالناس كرمى الحفاظ على حياة الزعيم وديمومة عقيدته السياسية. وكان يتم ذلك الأمر بطريقة ذكية مغلَّفة بكمّ هائل من التفلسف والشعارات السياسية الكفيلة بتعطيل عقل الكائن المؤدلج، إلى الدرجة التي لا تسمح للمعجبين بفلسفته فهم الأسباب المتعلقة بالهوس في تقديم القرابين البشرية.

أما الآن، وبعد أن توصل عبدالله أوجلان إلى قناعة شبه راسخة مفادها بأنه بات في منظور عترته والمؤمنين بأفكاره معصومًا من الخطأ حاله حال الأنبياء والمرسلين، لذا بات يتصرف بطريقة غرائبية، بل ويمكن القول بأنها لا إنسانية وفجّة جدًا، حيث إنه في أوج الحرب التي أعلنتها السلطة السورية على ما تبقّى من عناصر الأمن الداخلي (الأسايش) في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، أهدى أوجلان سجادة صلاة منسوجة يدويًا إلى رئيس حزب الحركة القومية التركي دولت باهتشلي. ووفق وسائل إعلام تركية، فإن السجادة تلك نُسجت خصيصًا في ولاية شانلي أورفة بطلب من أوجلان، ونقلها وفد من حزب المساواة الشعبية والديمقراطية (DEM) إلى باهتشلي خلال زيارته للبرلمان في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2025.

وفي هذه المقالة القصيرة، لسنا بصدد إحصاء كل القوات العسكرية التي شاركت في الحرب على حي الشيخ مقصود بحلب، والتي أدت إلى مقتل 272 شخصًا وفق الطبابة الشرعية في المدينة، هذا عدا عن المختفين والمعتقلين، وعدا عن التدمير الهائل لعمارات وأبنية الحارة. وإنما نودّ هنا فقط تذكير المبتلين بحب أوجلان، على وجه الخصوص، بفصيلين مسلحين وهما الفرقة 76 بقيادة سيف الدين بولاد الملقب سيف أبو بكر، قائد ميليشيا (الحمزات)، والفرقة 62 بقيادة محمد الجاسم الملقب أبو عمشة، المعروفة باسم (العمشات). والفرقتان كانتا من أبرز الفصائل العسكرية التي جرَّعت كرد عفرين الذل والهوان والتنكيل والتعذيب والسلب والسطو ووضع اليد على الممتلكات منذ بداية غزوة عفرين، أي من 2018 إلى عام 2025. وفوق كل الذي فعلوه بالكرد في عفرين سابقًا والشيخ مقصود لاحقًا، فقد تم تكريم قادة الفرقتين أكثر من مرة من قِبل رئيس حزب الحركة القومية التركي دولت باهتشلي، الذي أهداه زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان سجادة الصلاة كتقديرٍ جمّ على جهوده الجبّارة في دعم كل من قاموا بإذلال الكرد وقتلهم في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
6 شهور

اتو باوجلان لإجراء بعض اللقاءات ،ولم بكن في ايمرالي،كان في شمال قبرص…كل من عرف حقيقة اوجلان تم تصفيته انتصر الاوجلان الطوراني على اوجلان الكوردي….والان أتى نهاية الاوجلانين،لقد تم عصره مثل البرتقالة ،ومكان القشر المقبلة..

اقرأ أيضاً ...

حسين موسى مع مرور مئة عام على تأسيس مدينة قامشلي، تبرز الحاجة إلى قراءة تاريخ المدينة وما شهدته من تحولات خلال قرن كامل، ولا سيما مقارنة ما أُنجز في العقود السابقة بما تحقق خلال العقد الأخير. تعود بدايات تأسيس مدينة قامشلي إلى مرحلة ما بعد تقسيم كوردستان، أي سنة ١٩٢١م، ولا سيما بعد اتفاقية سايكس–بيكو وما ترتب عليها من فصل…

لاوين ابراهيم تدخل كوردستان سوريا مرحلة مختلفة عن تلك التي تشكلت فيها منظومتها السياسية والعسكرية خلال سنوات الحرب. فمسار دمج قسد ومؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية لا يمثل تحولاً عسكرياً وإدارياً فحسب، بل يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد السياسي الكردي أيضاً. خلال السنوات الماضية تشكلت منظومة متداخلة من الإدارة الذاتية، وقسد كقوة عسكرية، وPYD كقوة سياسية كان…

أحمد اسماعيل اسماعيل Ahmad Ismail Ismail هل العلّة في العقل الكردي أم في الثقافة التي تحاصره؟ تُتهم العقلية الكردية، في كثير من الأحيان، بالجمود أو بالعجز عن الفعل والإبداع. ولكن هل تكمن المشكلة حقاً في العقل الكردي ذاته؟ إن النظر إلى تجارب عدد من المبدعين الكرد الذين استطاعوا تجاوز الأنساق الثقافية والاجتماعية التقليدية يكفي لإثارة الشك في هذا الحكم. فسليم…

د. فريد سعدون هل كان سيسقط الأسد بشكل أسرع إن حاربته الأحزاب والقوى الكردية ولم تهادنه وتتغاضى عن الدخول في صراع مباشر معه … ؟؟ المسألة أكثر تعقيدا مما نتوقع، ولكن المساحة الجغرافية التي سيطر عليها الأكراد، والموارد الاقتصادية التي استحوذوا عليها، والقوة العسكرية التي امتلكوها، لو…