البارزاني وفاءٌ لا يُساوم

خالد إبراهيم

ليست المأساة في قلّة الحلفاء، بل في فيض المتفرّجين الذين أتقنوا فنّ الحياد الجبان؛ أولئك الذين يرفعون الكاميرات بدل الرايات، ويحصون الضحايا بدل أن يمنعوا سقوطهم. في عالمٍ اعتاد أن يصفّق للضحية من بعيد، ثم يفاوض جلّادها على الطاولة نفسها، صار الصمت بطولةً زائفة، والخيانة سياسةً مُقنّعة، والخذلان موقفاً عقلانياً يُدرَّس في مدارس الواقعية الباردة.

في هذا الشرق المكدّس بالخطب والبيانات والشعارات المجوّفة، بات الموقف الصادق عملة نادرة، وصارت الجرأة على الانحياز للحق فعلاً استثنائياً يُحسب على الجنون السياسي. لم يعد السؤال من يملك المال أو السلاح أو المنابر، بل من يملك الشجاعة الأخلاقية حين تشتعل الكلفة ويهرب الجميع إلى ظلال التبرير.

في هذا الامتحان القاسي، لم تخرج حملة رنج سنگاوي على شاشة روداو كخبرٍ عابر، بل كصرخة في وجه الرداءة العامة. خرجت من منطق الضجيج إلى منطق الفعل، ومن البلاغة الفارغة إلى الاشتباك الأخلاقي المباشر مع القضية، فبدت في أيام قليلة أصدق من جيوش بيانات، وأشرف من خزائن نفط وغاز لم تنقذ روحاً، ولم تغيّر مصيراً، ولم تمنع مقصلة من أن تهوي على رقبة الحقيقة.

نعم، قد نخسر معركة وربما أكثر، لكننا لا نخسر البوصلة. ننزف نعم، لكننا لا ننكسر. نُخذل مراراً، لكننا لا نُباع، ولا نوقّع على صكّ موتنا بأيدينا، ولا نمنح جلادنا شرف التصديق على نهايتنا. نحن فخورون بشعبنا، لا لأننا بلا هزائم، بل لأننا لم نحوّل الهزيمة إلى ثقافة، ولم نرتّب الانكسار في قالب الخضوع.

نحن فخورون بتلك الجبال التي لم تكن حجارةً صمّاء، بل أخلاقاً شاهقة؛ جبالاً من نارٍ وكرامة وحبّ وتضحية ووفاء. جبالاً لم تنحنِ للعواصف، ولم تُساوم على ظلّها، ولم تُبدّل جلدها مع تغيّر الفصول السياسية.

ونقولها بوضوح لا يحتمل التأويل ولا التخفيف: إن حكومة إقليم كردستان لم تكن مجرّد كيان سياسي عابر في دفتر الشرق الممزّق، بل تحوّلت في أكثر اللحظات ظلمة إلى مظلّة معنوية وسياسية لكرد سوريا، حين حاول كثيرون شطبهم من الجغرافيا والتاريخ معاً. ففتحت المنابر حين أُغلقت الأبواب، ورفعت الصوت حين خُنقت الأصوات، وقالت بلا ارتجاف: هنا شعب لا يُلغى، وهنا اسم لا يُمحى، وهنا قضية لا تُدفن في أرشيف المصالح.

وهنا لا بدّ من الوقوف، لا احتراماً فقط بل إجلالاً، أمام بابا البارزاني مسعود البارزاني؛ لا بوصفه رئيساً سابقاً أو زعيماً حزبياً، بل بوصفه ظاهرة نادرة في زمن التفاهة السياسية. رجل لم يتعامل مع كرد سوريا كملف تفاوضي أو ورقة ضغط أو هامش جغرافي، بل كجزء حيّ من الروح الكردية الواحدة.

ما قدّمه لهم يفوق الخيال السياسي المعتاد، لا لأنه امتلك كل الأدوات، بل لأنه امتلك الإرادة حين افتقدها الآخرون. تحدّى العالم حين كان العالم بأسره يريد للكرد أن يختفوا أو يصمتوا أو يقبلوا بدور الهامش الأبدي. كسر العزلة حين صارت العزلة سياسة دولية، وفتح الأبواب حين تحوّل الإغلاق إلى قانون غير مكتوب.

اختار أن يقف مع شعبه، لا مع مزاج القوى الكبرى، ولا مع خرائط تُرسم فوق رؤوس الضعفاء، ولا مع صفقات تُبرم على حساب الدم والهوية. لم يُساوم على الاسم، ولا على الكرامة، ولا على الحق في الوجود. فصار اسمه قرين الثبات لا المساومة، والوفاء لا التجارة بالدم، والسياسة حين تكون شرفاً لا حرفة رخيصة ولا سوقاً للنخاسة الحديثة.

وستبقى كردستان سوريا، رغم أنوف الحاقدين والعنصريين، وكل من يريد اختزال شعب كامل في توصيف إداري بارد أو تسمية بلا روح ولا تاريخ. ستبقى، لأن الأسماء التي تُكتب بالدم لا تُمحى بالمراسيم، ولأن الهويات التي تُصاغ بالألم لا تُلغى بالخرائط، ولأن الشعوب التي تمرّدت على محوها لا تعود إلى القبر طوعاً.

والثورة لم تكن يوماً حدثاً عابراً، ولا نوبة انفعال، ولا لحظة غضب موسمية، بل وعياً طويل النفس، وصراعاً مفتوحاً مع محوٍ منهجي للهوية والكرامة. لم تنتهِ ولن تنتهي، ما دام في هذه الأرض من يرفض أن يكون رقماً بلا اسم، أو جسداً بلا قضية، أو صوتاً بلا صدى.

باقون، لا لأننا نهوى العناد، بل لأن الوجود نفسه صار فعل مقاومة. باقون لأننا لم نُخلق كي نكون هامشاً في دفاتر الآخرين، ولا ملحقاً في نشرات القوى الكبرى، بل فصلاً كاملاً مكتوباً بالحبر والدم والكرامة؛ فصلاً لا يُغلق، ولا يُختصر، ولا يُزوَّر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…