حين يبلغ الانحطاط ذروته.. ميليشيات الجولاني بين الإرهاب والوحشية وانعدام الإنسانية

آخين ولات *

لم يعد ما ترتكبه ميليشيات الجولاني مجرد “انتهاكاتٍ فردية” أو “تجاوزاتٍ” أو “جرائم حرب”. إنّ ما يجري اليوم لهو سقوطٌ أخلاقيٌ شامل. انهيارٌ كاملٌ للضمير، وعودةٌ إلى أكثر أشكال الهمجية انحطاطاً.  

إن الاعتداء على جثامين المقاتلات الكرديات بعد مقتلهنّ، وتوثيق ذلك ونشره، ليس فعلاً عابراً، بل هو إعلانٌ صريحٌ بأن العالم قد سقط في اللا أخلاق، وأن هذه الجماعات قد تجاوزت كل حدود الإنسانية، وأنها لم تعد ترى في الإنسان “ حياً أو ميتاً” سوى مادةٍ لإشباع غرائز أفرادها  وساديتهم المرضية الطاعنة في الدموية.

وحشية ٌتتكرر وجرائمٌ تُعاد بلا خجل

لم تتوقف الجرائم عند هذا الحدّ من الاعتداء على جثامين النساء، بل امتدت إلى التمثيل بجثث المقاتلين الكرد، ودهسها بالمدرعات الثقيلة وسط صيحاتٍ تهتف بعباراتٍ مهينة وساقطة، من بينها تلك التي تُحوّل الجريمة إلى “مزحة” أو “معجّنات”.  

أي انحطاطٍ هذا؟  

أي سقوطٍ أخلاقيٍ يجعل من جسد إنسانٍ قُتل في ساحة المعركة مادةً للضحك والسخرية؟  

أي عقليةٍ مريضة ترى في الدهس والتمثيل “احتفالاً” أو “انتصاراً”؟

إن تكرار هذه الأفعال يكشف أنها ليست تصرفاتٍ فرديةً، بل هو نهجٌ ممنهجٌ، ثقافةٌ كاملةٌ من الإهانة، تُغذّيها الكراهية، ويُغطيها خطابٌ دينيٌ وسياسيٌ  زائف.

أين هو العالم المتحضّر من كل هذا؟

أين هي الدول التي تتشدّق بحقوق الإنسان؟  

أين هي المنظمات التي ترفع شعارات حماية المرأة؟  

كيف يمكن أن تُرتكب هذه الجرائم تحت أعين قوىً دولية تدعم هذه الجماعات بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر؟  

كيف يمكن أن يُسقط نظامٌ مستبدّ، ثم يُستبدل بنظامٍ أشدّ توحشاً، يتحكم برقاب الناس وحياتهم ومستقبل أطفالهم؟  

كيف يمكن أن يُترك الشعب الكردي، مرةً بعد مرة، ضحية التهجير، والقتل، والتمثيل بالجثث، دون أن يتحرك ضمير العالم؟

ومما لا يقلّ انحطاطاً عن الجريمة نفسها ذلك الخطاب الذي يخرج من أفواه البعض من الثورجية وأشباه الإعلاميين وأرباع النشطاء  ليبرّر ما حدث، أو ليضع اللوم على الضحية، أو ليقول إن المرأة “جلبت لنفسها ما حدث لأنها اختارت طريق النضال ”.  

هذا الخطاب ليس رأياً، بل امتداداً للجريمة.  

هو مشاركةٌ في العنف وفي الجريمة، وتطبيعٌ للوحشية، ومحاولةٌ لتحويل الضحية إلى متّهمة، والجاني إلى “مُبرَّر”.

إن لوم المرأة لأنها دافعت عن أرضها وشعبها هو سقوطٌ أخلاقيٌ لا يقلّ بشاعةً عن الجريمة نفسها.  

وإن السخرية من جثث المقاتلين الكرد، أو تحويل دهسهم إلى “نكتة”، هو فعلٌ يفضح عقليةً لا تعرف من الإنسانية شيئاً.

كم مرةً يجب أن يُهجّر الكرد؟

كم مرةً يجب أن تُحرق قراهم؟  

كم مرةً يجب أن تُهان نساؤهم؟  

كم مرةً يجب أن تُسحق جثث أبنائهم تحت المدرعات لكي يسمع العالم صرخاتهم؟  

كيف يمكن أن يُغضّ النظر عن كل هذا الإجرام، بينما تُرفع شعارات التقوى والعدالة والدين؟  

كيف يمكن أن يُترك شعبٌ بأكمله تحت رحمة ميليشياتٍ تكبّر باسم الله وترفع رايته، لا تعرف من الأخلاق إلا اسمها؟

ألم يحن الوقت لاستعادة شيءٍ من الإنسانية؟

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراعٍ سياسي، بل إنه امتحانٌ أخلاقيٌ للعالم بأسره.  

فإما أن يقف العالم مع الضحايا، أو يسقط مع المجرمين في هاوية الصمت والتواطؤ.  

إما أن تُدان هذه الجرائم بوضوحٍ لا ريب فيه، أو يُكتب في سجل التاريخ أن الإنسانية تخلّت عن نفسها.

إن السقوط الأخلاقي الذي وصلت إليه ميليشيات الجولاني ليس مجرد انحرافٍ، بل هو جوهر فكرها ومشروعها.  

وإن تكرار التمثيل بالجثث، ودهسها، والسخرية منها، هو دليلٌ على أن هذه الجماعات لا تبحث عن تحريرٍ، ولا عدالةٍ، بل عن إذلال الإنسان وتحطيم كرامته.

إنّ كرامة الإنسان، حياً أكان و ميتاً؛  ليست مجالاً للمساومة.  

وإن صمت العالم عن هذه الجرائم لهو جريمةٌ أخرى لا تقل شناعةً عن الجريمة ذاتها. 

* شاعرة وكاتبة ومترجمة. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الافاضل : الرئيس البارزاني في دمشق ، بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع ، واستقبال رسمي في قصر الشعب السوري وحسب البروتوكول الرياسي المعتمد ، الملفت للانتباه هو رفع العلم الكردستاني لأول مرة في تاريخ سورية منذ نشأتها ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء حاربت الأكراد وقضيتهم بكل الوسائل وبلاهوادة ومشروعي الإحصاء والحزام العربي ثم…

عبد الرحمن حبش ليس كل قائد يستطيع أن يحول حضوره إلى رسالة وليس كل زيارة تكتب في بروتوكولات السياسة فقط بل هناك زيارات تسجل في ذاكرة الشعوب. لقد جاءت زيارة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لتؤكد أن القضية الكوردية حاضرة بقوة وأنها لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص مستقبل سوريا والمنطقة….

د. محمود عباس لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإيران في كفتي ميزان واحدة، ثم طرح السؤال ببساطة، من ربح الحرب؟ لأن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض منذ البداية أن الطرفين قوتان من طبيعة واحدة، وأنهما تخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، وتقيسان الربح والخسارة بالمعايير ذاتها. وهذا، في تقديري، هو موضع الخطأ الأول في معظم القراءات التي تناولت المواجهة بينهما. المسألة أعمق…

لأول مرة في تاريخ سوريا، يكتب الرئيس السوري أحمد الشرع تغريدة باللغة الكردية، بمناسبة زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق. وتكتب اللغة الكردية في سوريا وتركيا بالحروف اللاتينية، وليس بالحروف العربية كما هو الحال في اقليم كردستان العراق، حيث تستخدم السورانية المكتوبة بالأبجدية العربية المعدلة. وفيما يلي نص تغريدة الرئيس السوري أحمد الشرع: أحمد الشرع…