أخلاق القوة أم قوة بلا أخلاق؟

عدنان بدرالدين

ليس من السذاجة الاعتقاد أن السياسة لا تعرف الأخلاق، فالتاريخ علّمنا بما فيه الكفاية أن الدول لا تتحرك بدوافع أخلاقية، بل بدافع المصلحة. السذاجة الحقيقية تكمن في الاعتقاد أن الدول التي تمجّد القيم لفظًا إنما تفعل ذلك لأنها تؤمن بها، لا لأنها توظفها لخدمة مصالحها.

في الحالة السورية، يبدو هذا التناقض صارخًا إلى حد لا يحتاج إلى كثير من التنقيب. فالولايات المتحدة التي بشّرت طويلًا بحماية الأقليات ومحاربة الإرهاب، انتهت إلى إدارة وضع تتصادم فيه هاتان القيمتان على نحو يفرغهما من معناهما معًا. فهي من جهة تتحدث عن حماية الكرد، ومن جهة أخرى تتعامل معهم بوصفهم أداة وظيفية مؤقتة، لا شريكًا في مصير سياسي واضح. وحين تنتهي الوظيفة، لا يبقى من “الشراكة” سوى خطاب إنشائي بلا أثر ولا مضمون.

لكن من الإنصاف الإشارة إلى أن واشنطن سعت منذ البداية إلى تأطير علاقتها بـ«قسد» بوصفها علاقة شراكة عملياتية لا تحالفًا سياسيًا. فقد تعاملت معها كشريك ميداني في محاربة داعش، لا كحليف استراتيجي في مشروع سياسي كردي. كما كانت حريصة على تجنب أي توصيف يوحي بدعم حقوق قومية للشعب الكردي في سوريا، مفضّلة لغة تقنية فضفاضة تترك كل شيء معلقًا بلا التزام. بهذا المعنى، لم تخدع واشنطن أحدًا في المصطلحات، لكنها فتحت الباب واسعًا لالتباس سياسي وأخلاقي عميق ما تزال تداعياته تتكشف حتى اليوم.

قسد لم تكن يومًا مشروعًا قوميًّا كرديًا تمثيليًا بالمعنى السياسي الحقيقي، بل إطارًا عسكريًا صيغ ليخدم حاجة أمريكية محددة: هزيمة داعش دون التورط المباشر في حرب برية واسعة. وقد أدّت هذا الدور بكفاءة وبثمن بشري باهظ، دفعه الكرد أساسًا لا واشنطن. لكن ما إن أُنجزت المهمة الموكلة لها، حتى بدأ التراجع عنها باسم “الواقعية”، وكأن الواقعية لا تُستدعى إلا حين يكون الثمن دم الآخرين.

وهذا ليس جديدًا في السلوك الأمريكي. فالولايات المتحدة تخلّت مرارًا عن شركاء أو حلفاء حين رأت أنهم لم يعودوا يخدمون مصالحها أو أن مهمتهم انتهت: تخلّت عن شعب كردستان العراق عام 1975 بعد اتفاق الجزائر، كما انسحبت من جنوب فيتنام تاركة حلفاءها لمصيرهم، ثم عن حلفائها في أفغانستان بعد عقدين من الاستثمار العسكري والسياسي. من هذه الزاوية، يبدو التخلي عن قسد مألوفًا في منطق السياسة الدولية والأمريكية على وجه التحديد.

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن هنا فقط، بل في تصوير قسد بوصفها ممثلًا للكرد كشعب، لا مجرد شريك عسكري ظرفي. هذا الخلط فتح الباب أمام تنكيل واضح من النظام السوري الجديد بالكرد بوصفهم جماعة بشرية لها حقوق سياسية وثقافية، لا مجرد طرف مسلح.

وليس الحديث هنا عن مخاوف نظرية، بل عن وقائع ميدانية صارخة: تهجير ما يقارب 150 ألف كردي من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، رمي جثة مقاتلة كردية من سطح بناية في سياق المعارك، محاصرة كوباني –  المدينة التي شكّلت نقطة البداية لهزيمة داعش – وقطع الماء والكهرباء عنها، وتعطّل وصول الإمدادات الغذائية والطبية إليها. في ظل هذه الوقائع، يصبح الحديث عن “حماية الأقليات” مجرد تلاعب لغوي لا أكثر.

هنا يجب التفريق بوضوح بين قسد بوصفها مشروعًا أمريكيًا وغطاءً لتقاطع عملي مع حزب العمال الكردستاني، وبين قضية الشعب الكردي في سوريا، التي هي جزء من النضال التحرري الكردي المتواصل منذ قرابة قرنين، والمتأطر سياسيًا في سوريا منذ عام 1927 مع حركة خويبون، أي قبل قيام الدولة السورية الحديثة نفسها. تلك الدولة التي نشأت من اتفاقيات سايكس–بيكو الاستعمارية، التي يلعنها القوميون العرب بوصفها تفتيتًا للأمة، لكنهم يتمسكون بها حين يتعلق الأمر بحرية الشعب الكردي، الخاسر الأكبر من تنفيذها.

الأمر نفسه يتكرر اليوم مع النظام السوري الجديد. فواشنطن التي حاربت جهادية النصرة بالأمس، تتعامل اليوم مع من خرج من رحمها بوصفه “شريكًا أمنيًا” بحجة منع الفوضى. لا لأن الخلفية تغيّرت جوهريًا، بل لأن الحاجة تغيّرت. وهكذا لا يعود السؤال: هل هذا النظام ديمقراطي أم جهادي؟ بل: هل يخدم التوازن القائم الذي يلبي مصالح القوة الإمبراطورية الأمريكية أم لا؟

كل الحجج الأمريكية حول دعم نظام الشرع – الجولاني بوصفه منتجًا محتملًا للاستقرار تبدو واهية. فالنظام لا يزال ضعيف القاعدة الشعبية، ولم تمس طبيعته الجهادية إلا سطحيًا، ولا يخدم المصلحة الأمريكية إلا من باب الإذعان للإملاءات الإسرائيلية. وحتى لو افترضنا جدلًا أنه نجح في بناء دولة أمنية على غرار نظام الأسد – وهو أمر مشكوك فيه أصلًا – فإن استقرارها سيكون هشًا، قائمًا على القمع لا الرضى، ومجرد تمويه لغليان اجتماعي قد ينفجر في أية لحظة. فالدولة الأمنية ليست قرارًا سياسيًا، بل تراكم مؤسسات وشرعية داخلية وعلاقات خارجية، وهي شروط لم تتوفر حتى الآن للنظام الجديد.

في هذا السياق، يصبح نقل سجناء داعش من سوريا إلى العراق دلالة سياسية عميقة لا مجرد إجراء احترازي. فهذا النقل، ولا سيما في هذه المرحلة التي تروّج فيها الإدارة الأمريكية لنظام الشرع بوصفه شريكًا في الاستقرار، يوحي – على الأقل – بأن مستوى الثقة الفعلية به لا يزال دون الحد الذي يسمح بتسليم أخطر ملف أمني في البلاد إلى سلطته. ومع ذلك، تستمر واشنطن في التعامل معه لأن البديل – أي قسد – أكثر كلفة في حساباتها السياسية والعسكرية.

أما الجنوب السوري، الخارج فعليًا عن سيطرة دمشق، فليس حالة عابرة بقدر ما هو جزء من معادلة إقليمية لا تسمح لسوريا أن تستعيد سيادتها كاملة طالما أن ذلك لا ينسجم مع أولويات إسرائيل الأمنية. وهنا، مرة أخرى، تتراجع فكرة الدولة لصالح فكرة “الإدارة”، ويصبح الكلام عن السيادة خطابًا بلا مضمون.

من السذاجة الاعتقاد أن واشنطن لا تدرك هذه الحقائق. ولهذا فإن سلوكها الحالي لا يمكن تفسيره إلا من زاوية أن هدفها هو إدارة الأزمة السورية لا حلها: لا سلام كامل، ولا فوضى شاملة، بل حالة وسط تُدار ولا تُنهى. وفي هذه الحالة الوسطى، تتحول الشعوب – وفي مقدمتها الشعب الكردي – إلى وحدات قابلة للاستخدام أو المقايضة، لا ذوات سياسية لها حق تقرير المصير.

ما يبدو “تناقضًا” في السياسة الأمريكية ليس خللًا عابرًا، بل نمطًا مستقرًا: القيم حاضرة بقوة حين تكون مفيدة، وتُهمَّش حين تصبح مكلفة. لا لأن صانعي القرار بلا ضمير بالضرورة، بل لأن المنظومة التي يعملون ضمنها لا ترى في الأخلاق معيارًا للسياسة، بل أداة تُستدعى لتبريرها عند الحاجة.

ومن هنا، لا تكون المشكلة في أن واشنطن لا تتحرك بدوافع أخلاقية – فهذا أمر بنيوي في منطق الإمبراطوريات – بل في أنها تحاضر في الأخلاق دون أن تجعل منها قيدًا فعليًا على سياساتها. وبين الخطاب والفعل تتسع فجوة لا يدفع ثمنها أصحاب القرار، بل أولئك الذين يُستخدمون مرة كشركاء، ومرة كأعباء، ومرة كضحايا جانبيين لا أكثر.

وهكذا، لا تعود القضية قضية “خيانة” أو “وقاحة”، بل قضية نظام سياسي عالمي يرى في القيم جزءًا من العدة الخطابية، لا بوصلة للفعل. وفي عالم كهذا، تصبح الثقة بالكلمات المنمقة سذاجة خطرة قد تكلف دماء ودموع أجيال، لأن المطلوب ليس بريق الكلمة، بل أثرها في الواقع. السياسة لا تُفهم مما يُقال عنها، بل مما تُخلّفه على الأرض.

 

23 يناير 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مهند محمود شوقي   ليست كل الأوطان وُلدت على طاولة المفاوضات، ولا كل الحدود رُسمت بالحبر. هناك أوطان كُتبت بالدم، وحُفرت في ذاكرة شعوبها بالتضحيات، وكوردستان واحدة منها. فما يراه العالم اليوم من مدن نابضة بالحياة، وطرق حديثة، وجامعات، ومستشفيات، ومؤسسات، لم يكن يومًا هدية من التاريخ، بل ثمرة قرن من النضال. فمن ثورة الشيخ محمود الحفيد، إلى ثورات بارزان،…

دلدار بدرخان لطالما كان PYD يتهم المعارضة و فصائل الجيش الوطني وقياداتها ، أمثال أبو عمشة ، وسيف أبو بكر ، وفهيم عيسى وغيرهم من القيادات ، بالخيانة والعمالة والإجرام ، وكان يصفهم بأنهم بيادق وأدوات تعمل تحت إمرة تركيا . وكذلك كان يتهم قيادات المجلس الوطني الكوردي ظلماً وعدواناً بأنهم قالوا بالفم الملآن إن لديهم ست كتائب مشاركة في…

كفاح محمود ليست أخطر أزمات السياسة تلك التي تنشأ من الصراع بين السلطة والمعارضة، فذلك أمر طبيعي في كل نظام ديمقراطي، إنما تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تختلط الحدود بينهما، فيولد ما يمكن تسميته بـ “التهجين السياسي”؛ حالة يصبح فيها السياسي شريكًا في الحكم، ومعارضًا له في الوقت نفسه، يتمتع بامتيازات السلطة، لكنه يرفض تحمل مسؤولياتها. التهجين السياسي ليس مرونة، ولا…

صلاح بدرالدين لو توفرت شروط انعقاد المؤتمر الكردي السوري الجامع الذي ننادي به ، ونعمل من أجله منذ تسعة أعوام في العاصمة الوطنية دمشق ، وهي كماأرى شرطان : الأول – التوافق الكردي على تشكيل لجنة تحضيرية ، الثاني : موافقة الحكومة الانتقالية مع تسهيلات لوجستية ، كنت ساقدم المقترحات التالية : أولا – الاتفاق على تكليف لجنة تحضيرية للاعداد…