بين التضليل الوقح ودموية الاستبداد: نظام “ولاية الفقيه” والمناورة بالخداع للبقاء

نظام مير محمدي*

 

على مدار أكثر من أربعة عقود، لم يبرع نظام “ولاية الفقيه” في إيران في شيء قدر براعته في فنون الخداع السياسي وازدواجية الخطاب. واليوم، ومع دخول الانتفاضة الشعبية العارمة أسبوعها الثالث، يجد النظام نفسه في مواجهة “مأزق وجودي” غير مسبوق، مما دفعه إلى استنفار ترسانته من الأكاذيب لتضليل المجتمع الدولي وتبرير آلة القمع التي تحصد أرواح المتظاهرين في كافة المحافظات الإيرانية الـ31.

ثنائية القمع في الداخل واللين في الخارج

ثمة تناقض صارخ ومقزز في سلوك النظام الإيراني؛ ففي الوقت الذي يشهر فيه سيف “المحاربة” (عقوبة الإعدام سيئة الصيت) في وجه الشباب المنتفض في الشوارع، مطالباً بحقوقه الأساسية في الحرية والكرامة، نراه يبدي مرونة وليونة مثيرة للريبة على الصعيد الدولي. هذا النظام الذي يصف المتظاهرين العزل بـ”الأعداء والمرتبطين بالخارج”، لا يجد غضاضة في الإقرار علناً عبر المتحدث باسم خارجيته، إسماعيل بقائي، بأن “خطوط الاتصال مع المبعوث الأمريكي لا تزال مفتوحة”، كما يؤكد وزير خارجيته عباس عراقجي استعداد نظامه للحوار.

إن هذا التناقض ليس مجرد “تكتيك” عابر، بل هو جوهر الاستراتيجية التي يتبعها النظام لضمان بقائه. فالحقيقة التي طالما أكدت عليها المقاومة الإيرانية، وعلى رأسها السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من جانب المقاومة، هي أن هذا النظام يضع “الحفاظ على السلطة” فوق كل اعتبار، حتى لو استلزم ذلك التحالف مع “الشيطان” ذاته، في سبيل درء خطر السقوط الوشيك.

رسائل التضليل: عندما يرتدي الجلاد ثوب الضحية

في واحدة من أكثر فصول الخداع وقاحة، تأتي رسالة عباس عراقجي الأخيرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لتشكل ذروة التزييف. فبينما يئن الشعب الإيراني تحت وطأة عقوبات القرون الوسطى كبتر الأصابع وسمل العيون والإعدامات العلنية، يشتكي وزير خارجية النظام مما أسماه “أعمال عنف وإرهاب” تمارسها الانتفاضة!

إن ادعاءات عراقجي بوجود حالات “قطع رؤوس وإحراق أحياء” من قبل المتظاهرين، هي محض افتراءات تهدف إلى وصم الحراك الشعبي بـ”الدعوشة” لتبرير المذابح الحكومية. إن النظام الذي صدر بحقه 72 قراراً أممياً لانتهاكات حقوق الإنسان، والذي يوصف بأنه “بؤرة النشاطات الإرهابية في العالم”، يحاول اليوم قلب الحقائق وتصوير انتفاضة شعبية شاملة على أنها “أعمال غوغاء وإرهاب”. إن الهدف من هذه الرسالة المشبوهة هو سلب الشرعية عن الانتفاضة وتوفير غطاء دبلوماسي لقتل آلاف المتظاهرين تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

المعدن القمعي ومواجهة “الحقيقة العارية

لقد تجاوز مستوى القمع في إيران كل الحدود، ولم يستثنِ طبقة أو مكوناً اجتماعياً. إلا أن انتفاضة 28 ديسمبر 2025 وما تلاها، فضحت هذا “المعدن الرديء” للنظام أمام العالم أجمع. فالعالم اليوم يرى بوضوح عزيمة الشعب الإيراني على إسقاط هذا النظام الذي لا يتفق أبداً مع روح العصر.

إن لجوء النظام إلى لغة التهديد والوعيد ضد الشعب، تزامناً مع رسائل الاستجداء واللين تجاه واشنطن والمجتمع الدولي، يثبت حقيقة واحدة: النظام يدرك أن “ساعة الحسم” قد اقتربت. وهو يحاول كسب الوقت عبر تضليل الرأي العام الدولي، ليتفرغ لعمليات الإبادة في الداخل. ولكن، كما أكدت السيدة مريم رجوي مراراً، فإن هذا النظام “جعل كل شيء في خدمة بقائه”، إلا أن إرادة الشعب المصرّ على التغيير أصبحت اليوم أقوى من كل ألاعيب الخداع الدبلوماسي.

الخاتمة: الرهان الخاسر على الأكاذيب

إن النظام الإيراني، بتركيبته الحالية القائمة على “ولاية الفقيه”، لا يمكنه العيش دون القمع والتضليل. إن رسالة عراقجي المليئة بالزيف ليست سوى محاولة يائسة لحرف الحقائق عن مسارها، وتبرير الفظائع التي يرتكبها النظام ضد الإنسانية.

على المجتمع الدولي أن يدرك أن “الثقة بهذا النظام هي رهان على سراب”. إن الاستبداد الذي يتغذى على دماء شعبه في الداخل والمؤامرات في الخارج، لا يمكن إصلاحه أو الحوار معه. إن الحقيقة الساطعة في شوارع إيران اليوم هي أن “عصر الخداع قد انتهى”، وأن صوت الشعب الهادر هو الوحيد الذي سيرسم خارطة المستقبل، بعيداً عن صلافة نظام لا يعرف سوى لغة الموت والزيف.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود ليست أخطر أزمات السياسة تلك التي تنشأ من الصراع بين السلطة والمعارضة، فذلك أمر طبيعي في كل نظام ديمقراطي، إنما تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تختلط الحدود بينهما، فيولد ما يمكن تسميته بـ “التهجين السياسي”؛ حالة يصبح فيها السياسي شريكًا في الحكم، ومعارضًا له في الوقت نفسه، يتمتع بامتيازات السلطة، لكنه يرفض تحمل مسؤولياتها. التهجين السياسي ليس مرونة، ولا…

صلاح بدرالدين لو توفرت شروط انعقاد المؤتمر الكردي السوري الجامع الذي ننادي به ، ونعمل من أجله منذ تسعة أعوام في العاصمة الوطنية دمشق ، وهي كماأرى شرطان : الأول – التوافق الكردي على تشكيل لجنة تحضيرية ، الثاني : موافقة الحكومة الانتقالية مع تسهيلات لوجستية ، كنت ساقدم المقترحات التالية : أولا – الاتفاق على تكليف لجنة تحضيرية للاعداد…

د. إسماعيل حصاف يفرض الواقع السوري المعاصر سؤالاً ملحاً على النخب والفعاليات الكردية: ما العمل وما المطلوب من الحركة الكردية اليوم؟ وكيف يمكن مواكبة التطورات المتسارعة والسيناريوهات القادمة لسوريا المستقبل؟. إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد مدى الأهلية التاريخية لحمل ثقل القضية الكردية المزمنة في سوريا، وهي القضية التي مرت بمحطات معقدة بدءاً من تقسيم كردستان المركزية استعمارياً بناءً على…

محمد سعيد آلوجي بعد اختيار عددٍ من الشخصيات الكوردية لعضوية البرلمان السوري المؤقت، بات هذا الأمر واقعًا سياسيًا يستدعي التعامل معه بمسؤولية ووعي، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية أو الأحكام المسبقة. وسواء جاء هذا الاختيار بهدف تمثيل الكورد في سوريا، أم في إطار تعزيز الثقة بين الشعب الكوردي والسلطة الانتقالية، وترسيخ أسس الاستقرار والأمن في البلاد، فإن النتيجة تفرض علينا…