غرب كوردستان…. بين مطرقة الحداثة و سندان العشائرية

جوان أيو

كلنا قد سمعنا حكاية الغراب الذي أراد تقليد مشية الحمام، ولكنه لم ينجح في ذلك، فقرر ان يعود إلى مشيته السابقة،  ولكن المفاجئة كانت أنه نسي مشيته الأصلية……

الذي استدعى هذه الحكاية الرمزية هو ما آل إليه حال مجتمعنا الكوردي في غرب كوردستان، حيث برزت ظاهرتان متناقضتان في مجتمعنا أبان الحرب الأهلية السورية التي لم تعرف نهايتها حتى الآن، وهاتان الظاهرتان هما:

أولا: ظاهرة الهجرة واللجوء الى أوروبا، حيث أضحى هذا الهاجس مسيطرا على مجتمعنا الكوردي في غرب كوردستان عموما ولدى الشباب خصوصا، و أصبحت الفتاة التي يخطبها مقيم في أوروبا كمن ربحت الجائزة الكبرى، بغض النظر عن أهلية الخاطب علميا و اخلاقيا وفيزيولوجيا، حيث الكل في سعي محموم للوصول إلى إلى جنة الأرض (أوروبا ) ، وبكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية، وترك الجمل بما حمل، وبالتالي الانتقال إلى بيئة ثقافية واجتماعية مختلفة تمام الاختلاف للمجتمع الشرقي عموما والكوردي خصوصا، حيث النزعة الاستهلاكية وتقديس الحرية الفردية والتفكير الحداثي ولما بعد الحداثي ،وما يتطلب من المهاجر او اللاجئ من استحقاقات الاندماج والانحراط في المنظومة الفكرية والثقافية الجديدة، وما يترتب على ذلك من الانفصال عن عادات وتقاليد وفكر وثقافة مجتمعه القديم، لا بل الانفصال عن الأسرة والعيش بكل حرية ، حيث أن كل ذلك مكفول وفق قوانين وشرائع المجتمع الجديد .

والمأساة الكبرى يعيشها الاطفال بين ثقافتين واسلوبي تربية مختلفين، بين البيت مع أسرته من جانب والمجتمع الأوروبي حيث المدرسة او العمل من جانب اخر،ثقافة الأسرة التي تحاول الحفاظ على قيم الآباء والاجداد والدين وثقافة المجتمع الجديد المنفتح على كل جديد وفصل الدين عن الدولة، وهذا التناقض في العيش بين ثقافتين لا شك سيكون له آثار نفسية واجتماعية ليس على الاطفال فحسب بل على الأسرة ككل .

ثانيا : اما الظاهرة الثانية التي بدأت تنتشر مؤخرا في المجتمع الكوردي لغرب كوردستان بين من تبقى على أرض ( الوطن  ) ،هو التوجه نحو العشائرية والقبلية، وهذا نكوص ما بعده نكوص، فالمجتمع الكوردي في غرب كوردستان كان قد وصل إلى مرحلة من  التطور تجاوز فيه المرحلة العشائرية والقبلية، وكان لهذا التطور عوامل عدة لعل اهمها الأحزاب السياسية التي لعبت دورا كبيرا في الارتقاء بالفكر الكوردي نحو التفكير الوطني والقومي والانساني ، وهذا هو التطور الطبيعي للمجتمعات من الأسرة الى العشيرة فالدولة…اما ان يعود المجتمع إلى العشائرية والقبلية من جديد فهذا دليل إفلاس فكري واجتماعي وبؤس ثقافي ،وهكذا اصبحنا نرى كل يوم على وسائل التواصل سواء التقليدية او الحديثة اعلانا او بيانا وعلما خاصا ورئيسا لعشيرة او قبيلة ،والمضحك في الأمر ان يتنطع لمهمة رئاسة العشيرة من امضى جل عمره في الغرب الأوروبي، فكيف يستقيم ذلك ؟ من امضى أغلب عمره في ظل الحداثة ليترأس تركيب اجتماعي اكل الدهر عليه وشرب ؟ ! انه اللامعقول باجلى صوره.

خاتمة:

ان المجتمع الكوردي فيي غرب كوردستان وفي هذه المرحلة التاريخيه المصيرية والحساسة قد فقد البوصلة او كاد ان يفقدها ،وهو مهدد ثقافيا و اجتماعيا بين مطرقة الحداثة و سندان العشائرية والقبلية مالم تتصدى لهذه المرحلة الدقيقة والتاريخية الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني والمؤسسات العلمية، وان يلعب المفكرون والمثقفون دورا فاعلا وتقدميا ،لا ان ينخرط المثقف هو نفسه في هذا الواقع ويعمل على تكريسه ،حيث نجد الكثير من ( المثقفين  ) وللأسف الشديد قد انخرط في هذه التجمعات المشوهة وراح يطبل ويزمر لهذه الظاهرة او تلك لتي تجاوزتها اغلب شعوب الأرض.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…