سورية ولبنان… الخراب لا يبني دولة

م. عادل الجارالله الخرافي

 

في الاسابيع الماضية حدثت تطورات كبيرة في المنطقة، يمكنها ان تؤثر على عموم الشرق الاوسط، فإذا كان سقوط نظام بشار الاسد الحدث الاكبر، فإن ما جرى في لبنان قبله كان له التأثير الكبير على هذا السقوط السريع لنظام كان يعتقد انه صلب، وقادر على مواجهة المتغيرات، خصوصا انه كان مدعوماً من دولة اقليمية كبيرة، واخرى عظمى، فيما ساعدته ميليشيات عدة على الصمود. كل هذا تبخر بين ليلة وضحاها، ففي غضون 12 يوماً تحللت تلك القوة العاتية، وظهرت مهلهلة، غير قادرة حتى على الدفاع عن جنودها، ما يعني ان كل تلك السنوات كان هذا النظام يعيش على التنفس الاصطناعي، فيما ادت الدعاية مهمتها بالتضليل الى حد انها اعمت البصائر. في سورية كما في لبنان، هناك جملة تغييرات لا بد من اخذها بالاعتبار، فاذا كانت بيروت غير قادرة على تحديد ماذا تريد من مسؤوليها المشغول كل منهم بمصالحه، فيما الدولة تحتضر، ويتنافس كل منهم على نيل حصته، غير عابئ بمصير البلاد، فإن سورية اليوم تدخل الحال الاسوأ، فمؤسساتها لا تعمل، والجميع حذر من الآخر، ومجلسها النيابي معطل، بينما الحكومة الانتقالية لا تزال في طور الولادة. ما يعني انها تحتاج الى سنوات، بل عقود كي تعود الى الاستقرار، واذا اخذنا في الاعتبار ما جرى في العالم العربي، والثقافة قائمة على مبدأ فاسد، وهو”انا او لا احد”، ولنا في هذا الشأن امثلة عدة، بدءاً من ليبيا التي لا تزال الى اليوم، وبعد 13 عاما، تعاني مما تركته الاحداث، او العراق، واليمن وغيرها من الدول، فهذا يقودنا الى يقين ان العرب ليس لديهم ثقافة بناء الدولة، والمساواة بين المواطنين، وهذا مصدر تخلفهم. الى اليوم، مثلا، في لبنان لا تزال المؤسسات مشلولة، ولا احد يستطيع ان يطالب بابسط الحقوق، لان ثمة بعبعاً او عفريتاً يخاف الجميع ان يطلع لهم في طريقهم، الى حد ان الناس هناك لم تعد تتحدث عن التنمية، انما عن المحافظة على ابسط المقومات المعيشية، والامان بالحد الادنى. اما في سورية فإن الامر اصعب بكثير، فإذا ذهب زوار فجر، فهناك اخرون اكثر منهم قمعاً بدأوا يولدون من جديد، على غرار معظم الدول العربية التي عاشت محاولات تغيير افترضت انها ديمقراطية، واكتشفت غير ذلك. العالم العربي محكوم بثقافة مغايرة لطبيعته، واصوله الاجتماعية وعاداته، لان خلال العقود الثمانية الماضية سادت فكرة “انا او لا احد”، ورأى البعض انه “الحاكم بامره” يستطيع ان يفعل ما يحلو له من دون محاسبة. هذه الطبيعة التي تكرست منذ مطلع القرن العشرين لا تزال تتحكم بالعربي الذي يخاف التغيير، لذا فإن التنمية تبقى شعاراً وحبراً على ورق، لانها تمس جوهر الانسان وطبيعته، وتطوره الاجتماعي، والسياسي والاقتصادي، وهو ما لا يريده من بيدهم القرار. على هذا الاساس، ما جرى في الاسابيع الماضية، اكان في سورية او لبنان، لن يخرج عن هذا الاطار، الا في حال واحدة وهي ان يكون للنخب فيها، خصوصا الهادئة والعقلانية والوطنية، دورها في اعادة بناء المجتمع، قبل المؤسسات، بل اعادة ترميم ما هدمته المنظومة السابقة، وهذا صعب جداً في مجتمعات خائفة من شتى اساليب التهديد المستخدمة ضدها، ما يعني ان الخراب لا يبني دولة.

=============

السياسة الكويتية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…