القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 57 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

قصة: خفاقة اللبن.. قصة من قريتي

 
الخميس 13 كانون الثاني 2022


هيثم هورو

-1-
في نعومة اظفاري كان لدي شغف كبير بالذهاب إلى القرية، التي هي مسقط رأسي وأولى شهيقي عندما وضعتني أمي فيها، حينها كنت أعيش في مدينة حلب، تلك المدينة العريقة والكريمة التي استقبلت واحتضنت الكثيرون من انحاء سوريا، بغية الدراسة والعمل من أجل لقمة العيش .
بعد انتهاء العام الدراسي للمرحلة الابتدائية، واستلامي الجلاء المدرسي، كنت في لهفة وشوق بقضاء العطلة الصيفية في أحضان قريتي الجميلة،وبين البساتين وكروم التين والعنب، واستأذنت من والدي ثم تدحرجت سيراً على الأقدام حتى وصلت كراج الباصات، الكائن في وسط مدينة حلب يدعى( باب الجنين ) وهي نقطة انطلاق الباصات، إلى جميع قرى عفرين والمدن الأخرى،


 وعند وصولي هناك كان الكراج مكتظاً بالعائلات المسافرة، وعلى الفور صعدتُ إلى الباص كي احجز مقعداً لي، وعند تجوالي في داخله، شاهدتُ بعض المقاعد محجوزة بواسطة اشياء، هذا ترك عمامته المنقط باللون الأحمر، وذاك اكياس خضاره، والأخرون حقائبهم الصغيرة، ريثما يحين موعد المغادرة خشيتُ بأن لا تسنح لي فرصة الذهاب، والانتظار إلى اليوم التالي بسبب وجود باص وحيد آنذاك، حتى وصلت إلى المقعد الخلفي للباص المسمى شعبياً (عاللوج) ولحسن حظي لم يكن محجوز وفارغاً من أمتعة المسافرين، فحمدتُ الله كثيراً لحصولي على مقعد، وجلستُ عليه فوراً وصرتُ أراقب الباعة المتجولون داخل الباص، الأول كان يبيع الكعك، والثاني يبيع البوظة، لقد كان في جيبي مبلغ خمس وعشرون ليرة، اسلفني والدي من أجل ثمن تذكرة السفر، وشراء ما اشتهيه في طريق السفر، فتقدم نحوي بائع البوظة مردداً ( برّد قلبك يا طيب ) ثم مددتُ يدي إلى جيبي، وأخرجتُ الخمس وعشرون ليرة واعطيتها إلى بائع البوظة، مقدماً لي قطعة بوظة مغطس بالشوكولا، بعد أن رد لي المبلغ الباقي، ومن ثم بدأتُ التهم البوظة كالبرق، حتى أثلج احشائي بها من جراء الحر الشديد داخل الباص وحرصاً من سيلان البوظة على ثيابي الجديدة التي كنتُ ارتديها .
-2-
مرت ساعة من الزمن صعدوا جميع المسافرون الى الباص، بعد أن صعد السائق رشيد الذي سحب عدة سحبات من حبل قصير ومزركش المعلق بسقف الباص، والمحاذية لرأسه واصدر صوتاً عالياً من الزمور، لتنبيه المسافرون بأنه حان موعد الإنطلاق من الكراج، الى ذلك الحين كنت اتصبب من العرق الشديد، والتمني الكثير بأن يتحرك الباص سريعاً من شدة حرارة فصل الصيف .
استغرق وصول الباص إلى قريتي مدة ثلاث ساعات ونصف، بالرغم لم تكن المسافة بعيدة مقارنة بالزمن بين مدينة حلب وقريتي التي تقدر مئة كيلوا متراً نتيجة الوقوف المتكرر بين النازل والصاعد إلى الباص على مفارق الطرق المؤدية إلى القرى المحيطة بالطريق العام، وعند نزولي من الباص، شعرتُ كم نعاني من هدر الوقت الذي هو أثمن شيئ في حياتنا، ثم سرتُ نحو بيت جدي والسرور يغمرني باللقاء بهم، لكن تفاجئتُ عندما وصلتُ امام دار جدي كان باب الخشبي مغلقاً بالترباس، ثم طرقتُ الباب عدة مرات للأسف لم يفتح لي احداً، وذكاءً مني كان هناك فراغاً بين حافة الحائط والباب، يسمح بمرور يدي الرفيع، فقمت بازاحة الترباس وفتحتُ الباب ومن ثم دخلتُ منزل جدي، منادياً جدي ! جدي ! وحالاً سمعتُ صوت يرد علي من داخل حظيرة البهائم يقول أنا هنا، وعلى الفور توجهت نحو الحظيرة رأيتُ جدتي تضع العلف للخراف والعجل الصغير، وتقدمت نحوها ببهجة وسعادة مقبلاً يدها وهي قبلتني بلطف وحنان على خدي، وبعد الانتهاء من عملها خرجنا من الحظيرة وسألتها أين جدي ؟
أجابت قائلةً : انه في البستان يقوم بسقاية الخضروات وأشجار الرمان .
-3-
عند مغيب الشمس عاد جدي من البستان إلى البيت وسر كثيراً من زيارتي، ثم وضعتْ جدتي طعام العشاء، وبعد ذلك زارنا ضيف من ابناء اعمام جدي يدعى شوكت، وبدأ يروي لنا قصة مشوقة من الزمن القديم، أما انا كنتُ متعباً من السفر الطويل حينها، ولا اعلم كيف غلبني النعاس في منتصف قصة الضيف شوكت، وغرقتُ في حلاوة نوم عميق على مصطبة جدي وتحت سقف السماء المزين بالنجوم وضوء القمر  .
في الصباح الباكر بدأ النسيم الهادئ الرطب يداعب اهدابي الناعم من حافة الغطاء، ثم انطلقت من الشمس أولى خيوطها الذهبية فشعرتُ بأن هناك حرارة تلاصق جبيني، ورغم ذلك لم اودع النوم، ولكن بعد لحظات فاحت في المكان رائحة ذكية وشهية اخترقتْ أنفي حينها علمتُ انها رائحة شواء خبز الصاج ولم استيقظ أيضاً، وانا في رحلة حلمي الجميل بسعادة وهناء، سمعتُ نغمة جميلة بسلم موسيقا دقت طبلة مسمعي، انتعش روحي وقلبي على ألحان مدقة خفاقة اللبن...!
ونظرتُ خلسةً من تحت الغطاء، نعم انها جدتي اللطيفة تصنع الزبدة، وهي ماسكة بمقبض الخفاقة وتضرب بخفة في جوفها، منتصبة القامة، تتأمل إلى الأفق البعيد بفرحة وابتسامة بيوم جديد، وفضولاً مني قلتُ يا ترى إلى ماذا تنظر جدتي؟
بعد أن عدلتُ من وضعيتي شاهدتُ نظراتها إلى تلك السهول المديدة، العريضة، والتي شدني واحتضنني بعبق النسيم الغربي القادم من عمق الوادي، وعلى مد البصر تتعالى الجبال المنقطة بالابقار والاغنام والماعز، التي تقضم العشب الندي والعصافير الدوري تزقزق وتترنح على أغصان الزيتون والبلوط المتشبث بالجبل وطيور السنونو الحنون تحلق في كبد السماء فرحاً بموطنها بكل حيوية ونشاط، بينما كنت أتأمل تلك اللوحة الحية والمرسومة بريشة إلهّية، والتي لا تشبع الناظر من روعتها الفريدة، وكأنها تحفة فنية معلقة في متحف لوفر الشهير، حينها نادتني جدتي مرتين وقالت :
بني هيا استيقظ.. وها لك صندويشة من الزبدة الطازجة، ومنذ ذلك الحين احلم بالعودة إلى قريتي الجميلة . 

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 4.33
تصويتات: 6


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات