القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 149 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

قصة: بوح الذكريات

 
الثلاثاء 27 نيسان 2021


زهرة أحمد

نافذتها، تلك التي أغلقها الألم ذات رحيل، لم تنفتح على الصباح بعد !!!!!!
جلستْ بالقرب من مكتبتها الصغيرة، كانت صورة والدها المعلقة على جدار غرفتها، ابتسامتها تظلل الأرض طويلاً.... طويلاً.
على شفة ليلة من الاغتراب، بدأت الذكريات تنهش ذاكرتها، في ظل الصمت الذي كان تعج به الغرفة، لاشي سوى رائحة القهوة، تفوح بخجل دافئ.
أمعنت النظر في مكتبتها الصامتة، كل شي فيه يوحي بالنسيان، دفترها القابع في حضن المكتبة، الدفتر المغلق على نفسه حزناً وانتظاراً. الدفتر المكتز بظل الكلمات، قد أتقن حكايات الصمت، وتأقلم مع رتابة النسيان.


في شريط من الضوء الهارب، يتعثر الألم بحروفه المبعثرة، لا يجمعها سوى بعض الذكريات، المفرحة منها والمحزنة.
بابتسامة مخفية أخذت دفترها، حضنته طويلاً، استعادت فصولاً متراكمة من الذكريات.
كان غبار النسيان يكاد يمحي عنوانه.
لم تتعود أن تنسى مايخصها، يخص روحها وكل تفاصيل مكتبتها.
ربما هو التناسي وليس النسيان.
هذا ما فرضته آلام الرحيل .. هكذا بررت لنفسها ...!!!!!
ما إن فتحت دفتر ذكرياتها حتى عبقت ابتسامة والدها على مساحات الحروف، لا تزال بعض فصوله مبللة بالألم.
هناك على صفحاتها تكاثف الألم ، تنتظر عناوين مشرقة لتذوب ثلوج الرحيل.
سنتان في العتمة، قضتها الذكريات وهي تجتر الغياب، تنتظر ذلك البوح الذي رحل وذاك اللحن المشرق من عينيه، ليكون اللحن الأخير .
وهي تقلب الصفحات، كان المطر يهطل طويلاً من عينيها، على المرمى القريب من الذكريات.
الليلة وبعد سنتين من التيه عادت لتغوص في ذكريات لا تزال تتنفس في العتمة، تفك ضفائرها، تلك التي جدلتها بمهارة تحت الشمس.
عادت تختفي بين ثناياها، تحتفي بكل الألم بين حروفها.
فتحت دفترها على فصل الشتاء، إنه برد كانون.
كم كان قاسياً ..!!!
هناك حين ودعت والدها، تركت آخر ابتسامتها ومضت في التيه.
لم يتجمد عطر الذكريات في الشتاء ولم يتناثر في الخريف، بقي أخضراً وربيع دائم.
إنها الذكريات عندما تغلب الزمن.
بين أوراقها الحزينة، ذكريات لم تكتمل.
عزفت مع والدها كل الأمنيات.
هل خانها اللحن، وتركها تعزف لوحدها ؟؟
لم تعزف بعد ..!!!!
كان يعتني حتى بأشيائها الصغيرة، ليتركها تهتم بكل أشيائه الكبيرة، تلك التي تركها في رحيله الأبدي.
قرأت آخر جملة كتبتها في دفترها:
أبحث عنك فأجدني فيك، صمتاً يبوح بحكايات لم تكتمل بعد.
يابووو... يابوووو ... يابوووو
" أبي .. أبي .. أبي "
إنها الذكريات حين تصبح هي نفسها كل اللغات.
انتقلت بين الفصول بحثاً عن الضوء، فكان الأخضر طاغياً، ارتسم في عينيها وروحها منذ أن كانت صغيرة.
من خلال الأخضر كانت صورة والدها تخيم على الصفحات، إنها بداية قصتها مع الأخضر، عندما سرح والدها شعرها الأشقر، ألبسها فستانها الأخضر الذي يحبه كثيراً، منذ ذلك اليوم وهي تحب اللون الأخضر.
أمسك بيدها وأخذها إلى مدينة ديرك " المالكية " لأخذ صورة شخصية لها في أحد محلات التصوير، للتسجيل في المدرسة.
تلك الصورة ارتسمت في عينيها وكأنها الآن في اليوم الأول في المدرسة.
بدأت تغني أغنية والدها المفضلة، كان يغنيها لها عندما كانت تجلس في حضنه وهو يهزها بحركات متناغمة مع صوته الحنون. " Nazê "  نازي، أصبحت أغنيتها المفضلة.
اللون الأخضر كان يوحي لها الكثير من الذكريات، بل
يتربع على عرش مملكة الذكريات.
آخر مرة لبست فيه الأخضر كان في عيد النوروز القومي قبل سنتين.
في تلك السنة كان الربيع مميزاً، أكثر خضرة من كل السنوات السابقة.
خاصة عندما تضحك لها عين الشمس لتعكس كل الأناقة.
برغبة من والدها لبست زيها الكوردي الأخضر وكأنها جزء مكمل للطبيعة.
كانت ابتسامته تشع ألقاً كلما نظر إلى ثوبها،
يكرر لها دائماُ : كم يليق بك الأخضر .. !!!!!
الأخضر نفسه استقر في خزانة ملابسها، لم تلبسه منذ سنتين.
في كل ربيع كانت تبحث عن أزهار خضراء لتهديها لوالدها. تحزن عندما تخفق كل مرة، لكن سرعان ما يتبدد حزنها وتشرق ابتسامتها عندما يخبرها والدها : يكفي للون الأخضر تمييزاً  إنه يحمل على أكتافه كل ألوان الأزهار. لولا الأخضر لما ازذادت الأزهار ألقاً، بالاضافة إلى رمزيته وهو يكمل مع الألوان الأخرى هويتها، علم أمتها، باتحاده مع الآمال والآلام وعبق الروح في شموخها عند الشمس.
كانت تقول دائماً:  أورثني أبي كل ذلك الحب لشعبي، لقضيتي، لعلمي، وكل تلك القيم.
كان والدها يحب النرجس كثيراً، وهذا ما جعلها ترى كل الأزهار نرجساً، كل الشوق نرجساً، لذلك زرعت النرجس على قبره، النرجس نفسه أصبح ديواناً للذكريات الجميلة في قصائدها.
تذكرت يوم تخرجها من الجامعة، كلية الحقوق، عندما أهدت شهادة تخرجها إلى والدها.
كان حضنه أكثر دفئاً من أي وقت مضى، لم ينطق بأي كلمة، كانت ابتسامته أبجدية من الفرح.
هذا ما رسمته على حروفها تلك التي لا تزال تنبض بالفرح والدموع معاً.
الذكريات ليست عابرة كما يقولون، تنهمر هكذا دائماً حتى في فصول العتمة.
لم تنم بعد، أشرقت الشمس وهي لاتزال تقرأ في دفتر ذكرياتها، غارقة في أعماقها اللامتناهية.
تذكرت نظرته الأخيرة، كلمته الأخيرة، ابتسامته الأخيرة، لكنها الباقية في روحها.
آخر مرة قبلت جبينه، آخر مرة نادته أبي " يابو" .
مضت سنتان لم تكتب في دفتر مذكراتها.
أعادت قراءة آخر كلمة كتبتها مرات عديدة: يابو يابو يابو
مع آخر مرة نطقت يابو، بدأت تكتبها على دفترها يابووو...
كان قلمها يتدفق حروفاً بعد الجفاف، ونظراتها تشع طيفاً هادئاً.
بدأ قلمها يكتب، كتبت لوالدها: 
يابوووو "أبي "
سأنهض من جديد، أعدك.
سأكتب كل الشوق من جديد، أعدك.
لتنمو قصيدتي من جديد، ليتمزق الصمت بالصدى.
كم صمتك يمزق روحي، وأنا التي أتقن الصمت...!!
أقتفي بك كما أقتفي آثارك، هناك تحت شجرة التوت في حوش بيتنا الطيني.
في مناسباتك المحببة في عيد النوروز، لتكون كل المكان في تحرره من قيود دفتري.
أراك في ضوء تلك النجمة التي اعتلت عرش السماء، فأحاول الإمساك بها.
أشتاق إليك وأنت في روحي، أراك حين لا يراك سواي، حين ينهمر حضورك سيلاً يجرفني إليك.
لا يكفيني كل الصمت لأسمع ذكرياتك لأقول لك :
يابووو " أبي"
ليكن الانتصار .
إنه الانتصار على الألم بالكتابة.
انتبهت إلى الشمس وخيوط إشراقتها تصر على الدخول عبر نافذتها المغلقة.
نهضت من ألمها، لتنفض كل الحزن عن نفسها، فتحت النافذة ليدخل الصباح بحرية إلى غرفتها، إلى عالمها الداكن.
ثوبها الأخضر، كان لا يزال محتفظاً بعبق ابتسامته، وما تعلق به من الألحان، حتى اللحن الأخير.
لبست ثوبها الأخضر، حملت دفترها ومضت إلى حيث
ودعت آخر ابتسامتها، إلى قبر والدها، حين هاجرت الذكريات.
لتكتب ذكريات الفصل القادم ... !!!!
.....................................................

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 4.33
تصويتات: 6


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات