القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 98 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

نصوص أدبية: زهر نوروز

 
الأحد 21 اذار 2021


محمد عفيف الحسيني

ـ 1 ـ
أن تجد نفسك أعزلَ، ويرشق عليك أزيزٌ ـ زخمٌ من جهنم الرصاص؛ أن تجد نفسك أعزلَ، وقد صرعتكَ أسلحةٌ تبرق، فتسقط، فتقذف كبدك ودمك وحياتك في شارع من شوارع القامشلي؛ لن يقترب أحد منك، وإن اقترب أحد منك، سيُمنع ـ وإن احتد، أو غامر، سيُقتل مثلك ـ، فتنزف دمك، تزوغ عيناك، ثم تذبل أحلامك، ويجف حلقك، ويثقل لسانك، فتتضرع إلى الملائكة وخيال الملائكة، أن تأخذك، لكنك أعزل، ليس غير أشباح في توريات الذبح الكريم لك؛ يختفي كل شيء أمامك، فتخف روحك، وتتطاير من خيالك الملائكة. 


أنت أعزل.. الآن في غرفة من مشارح المشفى الوطني الكريم في القامشلي. 
أنت أعزل، وملوث بالتراب والرمل والدم وأختام محمد طلب هلال الحديثة الصنع. 
أنت أعزل مرميٌّ على طاولة مرمية في عراء الشمال المرمي في مشفى وطني، أنت مقتول، لكنني أسمع عواءك من بعيد؛ العواء الذي يشبه الثاني عشر من شهر آذار في الملعب البلدي في مدينتي: فردة من خفك الرياضي بقي على أرضك ـ أرض قتلك، والخف الآخر في رجلك، تخثرت عليه نقطة واحدة من دمك الكهرمان. 
دمك أعزلُ، ولازلت ترتجف في مشرحة المشفى. 
لكن.. من أين لك كل هذا الشحوب، أيها الشهيد؟ 
*** 
يوم الخميس ـ قبل الجمعة الحزينة ـ بيوم، اشتريتُ براعم ورد ربيعي. اليوم مساء الاثنين، تفتحت البراعم، زهراً أبيضَ، لم يقطعه آدميٌّ، من أي مكان، زهر تفجر في ليل غوتنبورغ، زهر أبيض، مرشوق عليه لون أحمر، لون تلك النقطة من الدم، على خف ذلك الشهيد الشاب في مشفى قامشلي الوطني، الذي يقرأ لي الآن؛ يقرأ وبطنه الرشيق منقوش بشفرة من القفص الصدري إلى أسفل العانة. لون أحمر على خفِّه الرياضي الذي بقي في عراء الله، بجانب هتافات القتلة. 
ـ "سأسقي زهورك". يقول لي الشهيد. 
ـ "وأنا سأقرأ الكمنجات الحزينة لكَ، أيها الشهيد". أقول له. 
*** 
كنتُ أصعد "كري موزا"، لألتقي بجدي الأول الملك "أوركيش" الذي لم ألتق به منذ آلاف السنوات؛ ولألتقي بعمي الكبير "شيخ أحمدي موزا"، الذي لم ألتق به منذ أكثر من ثلاثين سنة؛ فمنعني طير كبير يشبه طائر الرخ، كان يضرب بجناحيه في نواحي كري موزا. 
أُبعد الطائر الخرافي، فتأتي طيور كثيرة في سيارات عسكرية، روسية الصنع، وتملأ الرقعة الكردية بأخلاط المعدن والخشخاش. 
*** 
ـ ثمت زهرك يتفتح أيضاً، أيتها الغريبة!. 
ـ هي زهر نوروز، ياغريبي، ضعها على بطن الشهيد في المشرحة الوطنية. 
ـ 2 ـ 
آلا حسيني، ومزكين حسيني؛ أختان، ابنتا أولاد العمومة. 
لاأتذكر مزكين، لكن أتذكر "آلا"، وهي الطالبة البارعة في خشخشاش الذاكرة القوية مثل تشريفات رؤساء العالم المتحضر، وليس مما أنتمي إليه من تشريفات العالم الثالث ـ القتل. 
طالبتان في جامعة مدينة الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، والشيخ الأكبر الكردي ـ حيث مرقده ـ صلاح الدين الأيوبي. 
هما الآن معتقلتان. طالبة في الفلسفة وعلم الاجتماع، وطالبة في الحقوق الضائعة للكرد. 
من المدينة الجامعية إلى خيال تشاويشيسكو، وخيال صدام وخيال الابن. 
*** 
كانت آلا، ترتدي النزق ـ كما ـ أتذكرها ـ من نزق أهليها: نزق بافي كال في دياربكر. الآن ترتدي نزقاً ـ مقاماً، قريباً من مقامات الكرد في انتفاضة قامشلو؛ النزق بعيني أنثى سجينة في البعث. آلا أتذكرها، آلا الآن ترتجف في أقبية من نورانية البعث. كانت تتظر إليّ قبل سنوات بعيدة، وتقول ألا نشبه بعضنا؟، أمها إبنة عمي، ووالدها إبن عم. وعمهما تفحم في سينما شهرزاد ـ سينما نكبة عامودا. هي وأختها مزكين يعدان نجوم الظهر في أقبية دون نجوم. في أي سجن هما؟. 
حرّاث الموت يقطعون البيوت. ويحرثون البيوت المسالمة بأحذية أزلية ـ أحذية القمع. 
على أعلى مدرسة "أبوفراس الحمداني"، في عامودا، نصبوا مدفعاً صغيراً، رشقة صغيرة منه، تكفي لتتحول المدينة العزلاء إلى غبار، آلا ومزكين، تنتميان إلى تلك المدينة التي تنام الآن في خراسان. تريد أن تحمل خيالها إلى خيال بعيد عن المدفعية المنتصبة على قصائد أبي فراس الحمداني. 
*** 
زهر نوروز في يدي آلا ومزكين. زهر الشهيد الذي بقيت فردة من خفه الرياضي قريباً من الملعب الرياضي؛ الشهيد الذي لايزال يقرأ شحوبه في المشفى الوطني في القامشلي. زهر لزهرتين من سلالة بافي كال، وهما يقرآن النجوم الآن. 
***
دمدمة ثقيلة قادمة من سيارات الزيل العسكرية. سيارة ستأخذ آلا ومزكين من جامعة دمشق، إلى الفلسفة والحقوق البعثية. 
ـ 3 ـ
وُلد الأب في قرية مجاورة لقرية الشيخ الكبير الخزنوي، في تل معروف، قرية هائلة من الاحساس ببصيرة أنهم أكراداً، وكذا، دجاجاتهم وديدان المستنقع والتل الكبير والعنب المغبر دائماً، والسحاب الذي يمر فوقهم ولايمطر، ومؤانسات البغال الثلاثة، وبزوغ الوحل اللزج الأحمر الفاجر، ومعنى الندم، وتلك الطيور التي تدرج من عتبة بيت الأب إلى الماء ـ المستنقع، تغمس بمناقيرها العمياء في الضحالة، ثم ترفع برقابها النحيلة الرقيقة، وتنظر إلى الله. 
قرية هائلة من الكرد. مجاورة لقرية الشيخ الأول الخزنوي. ولد الأب هناك، وعندما شبَّ، كانت روحه تتذكر قريته، وكان أخوه الكبير يشرف على أبنائه ليتذكروا قريتهم الهائلة. 
الأب نقر الفجر بمناشير تدعو إلى إعادة الجنسية لأشقياء الله الكرد في الجزيرة، هفهفت المناشير طولاً عرضاً في جزيرة الأكراد. 
الأب دخل سجن صيدنايا بأبواقها الفاتكة، دخله، ومعه رُقم قريته الهائلة المسروقة؛ ظل الأب في السجن: تحتشد في ليله ذكرى تلك الطيور ـ طيور الله. ثم خرج مرمياً من وظيفته ـ الأب له خمسة أطفال، وزوجته أختي ـ، أضاء توريات الفقر بالعمل عند عائلة باشا المللي، فهو خبير زراعي، وآل الباشا عندهم زراعة، أحد أحفاد الباشا: إبراهيم باشا، الشاعر الذي نحره الموت سريعاً، قبل أن يتمم زهور نوروز في قصائده الخاطفة التي تدعو إلى الحياة، وليس الموت. 
الأب سيكون دون عمل نهائياً. الأبناء يكبرون. الأبناء سيدرسون في الجامعة أيضاً. 
زرع في حوش داره اثنتا عشرة زهرة من زهور، هي أخلاط قريته وأختي وعامودا، وعظام طيور الله الذبيحة في الثاني عشر من نوروز. 
زهرة واحدة منها هي لي: مؤانسةً لـ غوتنبورغ. 
*** 
الأب كان مع إبن أخيه الشاب. ينزل الشاب من سيارة بيك آب، مالونها؟. زخة فاجعة فاجرة من رصاص القتلة على طير الله الشاب. يذبحه الرصاص مباشرة. دمه على زهر نوروز. الأب ـ العم الآن، يدير بروحه إلى قرية الشيخ ـ الشيخ الأول المفتون بكرديته، وليس غيره. يذهب الأب إلى قريته الهائلة، يدفن إبن أخيه. 
*** 
زخة ثانية من رصاص قامشلو؛ زخة تستحوذ مغاليق الحياة، لأخ الشهيد الأول. ينحني الثاني، تنحني رقبته، ويسيل دمه من سري كانيي إلى عفرين. يمرُّ ذلك الدمُ، فيلامس اثنتا عشر زهرة من زهور نوروز، وخمسة آلاف من زهور حلبجة. يقرأ الأب الآن فتوة الزهور في سري كانيي القاحلة الجافة العطشة البدوية. في سري كانيي كانت ينابيع الماء تتفجر من صوت المؤذن، ومن رنين الناقوس لكنيسة الأرمن الكاثوليك. هي الآن دون ماء. لقد جفتْ اثنتا عشرة زهرة من زهور حوش الأب. 
ـ 4 ـ
"سري كانيي ـ كفر جنة"، هي قرية من قرى عفرين السماوية، تخفق فيها روح إبنتها الشاعرة آخين ولات، وتخفق فيها أعماق الكرد ومشافهات الكرد مع الزيتون والحجر والقطار الثقيل ـ الألم الثقيل، هي قرية يتطلع إليها الله من ملكوته، فيرمي عليها أشجار السرو ورائحة السرو الخافق في ضلع واحد من أضلاع آدم، تدور القرية على نفسها وعلى حرْملها وعلى صخب أطفالها الأشقياء، وعلى نهاراتها الملآى بالزعتر البري ـ شديد الذكورة والأنوثة. تمتد القرية إلى عراء جبلٍ انشاءٍ كثيف لهواء الفجر يرتطم بستراتنا الخفيفة المرتجفة: آخين وأنا. 
هي قرية، لغة، مسكونة بالجنة، نسي الأنبياء ـ أنبياء البعث ـ في تدوينها على صحائفهم، وسها المدونون عن كتابة روحها في صحائفهم، سهواً متقصداً لئيماً: سري كانيي (رأس النبع) ستتحول إلى كفر جنة، في تعريب ضيوف غرباء. في سري كانيي يتدفق الزيتون والشجر، وتتدرج في جنباتها روح "قاسملو"، وقبْله سمكو آغا، تتدفق النجوم أيضاً. 
اليوم تدفق إليها جنود كثيرون. 
*** 
قبل سنوات، صادروا جزءاً من ممتلكات الأهالي، بنوا بناء كثيراً، تتدفق منه طعوم المسؤولين: مدينة طلائع البعث؛ سوَّروا البناء. وقطعوا مضائق أهالي القرية عنها. بيوتات تشبه بيوتات أناس مترفين في نعمى الزهر الشبح، الزهر البلاستيك. 
في بناء طلائع البعث، في كفر جنة، يدوس العسكر الآن زهر نوروز. 
سبع عشرة زهرة بيضاء تتفتح بين يدي آخين ولات. 
*** 
سري كانيي، تهدل بحمام ينحني برقبة نحيلة، رقبة خائفة؛ تتطلع إلى زهر نوروز الأبيض المرشوق بدم الشهيد ـ الشهيد الشاحب، الذي لايزال يقرأ شحوبه في مشفى القامشلي الوطني، وهو يتذكر بأنه نسي فردة من خفه الرياضي في ملعب قامشلو. 
*** 
أعلى المشفى الوطني في قامشلو، على مدخنة المشفى، يرقد طائر الكركي، يراقب الشهيدَ الشاحبَ. ويراقب الشهيدُ الشاحبُ طائرَ الكركيَّ. كلاهما خائفان. 
5 ـ 6 
في النوروز القديم عام 1974، كنا ثلةً مشجوجةً، درَّبَنا كاوا الحداد على سرية البيوتات: بيت بجانب قشلة الفرنسيين؛ ثلة بحناجرها المجروحة احتفت بخيال كاوا، ونيران كاوا. نوروز أول أحضره. 
*** 
إسم ابنتي أيضاً نوروز، سأحتفي بعيد ميلادها في التاسع والعشرين، سأهديها دجاجة من القش ـ التي تتكاثر هذه الأيام في السويد ـ سأهديها أيضاً النوروز الأول الذي كنتُ فيه، في بيتٍ سريٍّ كان ينقصه أن نصقَّلَ حناجرَنا الجريحة بالنيران، فأشعلنا فضة المساء الأسود بجبلنا البعيد. 
*** 
في النوروز الجديد عام 2004، لم نكن ثلة، لكن، كنا جرحى. نعدَّ غيابنا ونتماوج على السطور السوداء التي منحنها إياها البعث في عيدنا ـ نوروزنا. 
*** 
كيف سنحتفل بكاوا؟.
أين كاوا؟. 
*** 
الشهيد الشاحب في المشفى الوطني الكريم في القامشلي، يسأل الكركي النحيل: 
ـ أين كاوا؟. 
ـ هو الآن ينقش النوروز. 
*** 
كركي يذرق على هباب المشفى الوطني؛ يذرق، وهو يتأمل جنود البعث وهم يعبثون بحياة الكرد. 
*** 
كركي ينقر بمنقاره على زهرٍ نوروزٍ؛ كركي يحمل الزهر من القامشلي إلى نوروز إبنتي، سليلة هذا الكركي. 
*** 
زهور نوروز هذا العام، غارقة في دم إبن خالي الشهيد "غيفارا خلف برو".

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 4.33
تصويتات: 6


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات