القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 109 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

قراءة في كتاب: قراءة في رواية «الأفغاني :سماوات قلقة» للكاتب والصحفي الكردي السوري هوشنك أوسي

 
الأحد 14 اذار 2021


هيفي الملا

/أناسٌ نصادفهم ولا نكشف مدى زخم تأثيرهم علينا إلا بعد فقداننا لهم، وربما نحن البشر هكذا مهما بلغنا من الشفافية والوضوح، نبقى عوالم غامضة ومثار حب ملتبس أو كراهية ملتبسة أو حياد ملتبس، حيواتنا بكل مايعتريها ويشوبها ويجوبها من أشخاص وأفكار وتجارب وقصص هي محض اشتباك والتباس لا أكثر /
الأفغاني: بطلُ هذه الروايةِ مهاجرٌ غير شرعي، شأن الكثيرين الذين يقدمون أنفسهم ببيانات شخصية غير صحيحة للسفر، شخصٌ متخمٌ بالأسرار والخفايا يقدم نفسه على أنه أفغاني. والمكان سجن جزيرة /خيوس / اليونانية والتي تُعتبر كمركز توقيف روتيني.
حتى يتم ترحيل المهاجرين غير الشرعيين إما لبلادهم التي أتوا منها أو إلى وجهتهم المنشودة.
يختفي هذا السجين الأفغاني في ظروف غامضة، وتبدأ سلطات السجن بالتحقيق في موضوع اختفائه، ولا تجده إلا بعد مرور أسبوع مقتولاً مع التنكيل والتمثيل بجثتهِ. 


هذا الشخص الغريب الذي كان له كاريزما خاصة، وملامح ملتبسة متداخلة، حين ينظر إليه المرء من أية ملة كان يخلق لديه إحساس بأنه منها، فأي قلق والتباس يشوب انتماءه وهويته الحقيقية!!!! 
وعندما تبدأ سلطات السجن التحقيق بخصوص هذه القضية، يتعرض كل من تواصل وتحدث مع الأفغاني للتحقيق للتوصل لحقيقته وفك طلاسم اغتياله والتمثيلِ بجثتهِ.
يشهد الشاهدُ الأولُ، بأن القتيل مصري و قد كان شيوعياً ثم إسلامياً متطرفاً ثم مجاهداً في أفغانستان، والشاهد الثاني أدلى بمعرفته وشهادته عن القتيل بأنه فلسطيني نزح إلى الأردن، وهو المتورط مع جماعةٍ في اغتيال فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، وأدلى الشاهد الثالث بأنه من أفغانستان بل ويتقن كل اللهجات الأفغانية، الشاهد الرابع قال أنه جزائري لأب يهودي، والشاهد الخامس قال عن الأفغاني أنه تونسي الأصل، والشاهد السادس بأنه من إيران، والشاهد السابع أنه كرديٌ من دهوك.
وخلال كل حكاية من تلك الحكايات، التي تعددتْ فيها وجوهُ الأفغاني وتلونتْ شخصيته، تقدمُ لنا الروايةُ زخماً من المعلومات والأفكار والأحداث والظروف التاريخية المتعلقة بالبلاد التي يُنسبُ إليها القتيل، في سردياتٍ متعددة ضمن سردية أساسية، وهي البحث عن هوية القاتل والمقتول. 
وتقنيةُ السرد المتعدد هذه خلقت تشويقاً ومتعةً وفضولاً في البداية وفضاءات مفتوحة، ليس لأن الرواية تتناولُ جريمة قتلٍ، فهي بالنهاية ليست رواية بوليسية تهتم بالحدث نفسه مجرداً من البعد الفكري، ولانستطيع تسميتها تاريخية أيضاً، فالتلاعب بالتاريخ والزمن واضحٌ جداً فيها ومثلما هي تتضمن أحداث وأسماء وتواريخ حقيقية، فهي منكهةٌ أيضاً بخيالِ المؤلف ودمجهِ الخيال بالواقع، للتوصل بنا إلى قراءةٍ جديدةٍ للتاريخ ودعوة دائمة للتشكك والمعرفة.
ينتظرُ القارئُ لوهلةٍ هوية القتيل الحقيقة، ولكن الكاتب يذهب بالزمن عقداً ويتلاعب به مقصوداً، ليتم العثور على صندوق فيه رزمةُ أوراقٍ بلغة البشتون، تبينَ إنها للقتيلِ تظهرُ هويته وسيرته الحقيقة، على أنه شخصٌ ميّزه الله بالعمر المديد، بدون أن تكون له ذرية، كائن غريبٌ عابرٌ للزمن:
/ من دون أن أعرف الحكمة، من أكون كائناً تخثر الزمن في عمره وتوقف عند سن الأربعين، ومع ذلك أبقى عابراً للأزمنة والأمكنة /
في القسمُ الأولُ من الرواية لهثتُ للوصول إلى نهايتها، مأخوذةً بسلاسة اللغة ووضوحها، وانسيابية السرد وتعدد الأمكنة ووفرة الأحداث .
والدقة في تناول المادة التاريخية، والمخزون الثقافي قد آلفتُ هذا في أعمال الكاتب الروائية التي سبق لي قراءتها، ولكن لسببٍ أو أخر القسم الثاني أخد مني بعض الجهدِ القرائي، وبعض الحاجة إلى التمعن المشوب بالحيرة، حيال شخص خالد وغامض امتلك الخلود ومازال متخبطاً باحثاً، ربما عن هويةٍ حقيقة، عن فكرةٍ يبحث عنها الإنسان ماعاش ولايدري بالضبط ماهي، وكأن الحياة هي العبث الذي تناوله المؤلف في استهلال الرواية.
  في ظل جوٍ أحسستهُ بدايةً مخنوق بالأسماء التي حفرها التاريخ الإسلامي في ذاكرتنا، ومعارك وخلفاء ومبايعات على الحكم وأطراف متصارعة على السلطة، وجواري وسوق نخاسين، وظل امرأة تمنحُ اللذة ولاتمنح الخلود المتوارث الذي عرفناه، حيث تمدنا به الحياةُ من خلال الإنجاب واستمرار النسل، وتنجيمٌ  ويهوديةٌ تعشق قاتل ملتها وأهلها، فهي تقرأ كف علي بن أبي طالب، وتذعر من تنبؤاتها ومصيره المنتظر، وحتى لا تلوث يدهُ بدمها تشرب السمَ الزُعاف، وربما كميةُ التسامح هذه التي بدرت من يهودية، إعمالٌ للفكر ودعوة لقراءة التاريخ الذي كان ومازال تاريخ السلطة تاريخ الأقوى والمسيطر . 
هذا الشخصُ العابرُ للزمن، والذي ولِدَ يوم مقتل عمر بن الخطاب، وشَهِدَ ماواكبَ التاريخ الإسلامي من أحداث وصراعات كان خلودهُ وبقاءهُ منوطٌ ومشروطٌ بمحافظته على عدم إفشاء هذا السر.
فهل لجأ للكتابة للالتفاف على ذلك السر ليتخلص من ذلك الضغط الجاثم على صدرهِ وذاكرتهِ .
 ربما لم تشدني متعة السرد كما كانت في القسم الأول من الرواية، ولكن بعد الانتهاء من قراءة العمل، ستكون مضطراً للتفكير ماذا أراد الكاتب؟ لماذا هذا العبور الزمني؟ هل هو التفكرُ بزيف الكثير ممّا هو مخطوطٌ؟ وهل الهالة المقدسة المرسومة حول الكثير من الأحداث التي رسخت للذاكرة تمنعُ التعمقَ أبعدَ من الموجود.
 وربما هنا يأتي دور الأدب في أن يكون بقعة ضوء تتخللُ كل السطور المعتمة، ليست دعوةٌ لترك هذا واعتناق ذاك، بل التفكر والتشكك وإعادة النظر .
/ حين أعود بذاكرتي إلى الوراء وأستردُ الأحداثَ بتفاصيلها وشخصياتها، يتأكدُ لي مدى الزيف والتضليل والدجل المحشو في كتب السير والتراجم والتاريخ/
هذا الفضاء الروائي الذي أتاحهُ لنا المؤلف، يترك لنا حرية الولوج والتعامل، وربما تعزيز أفكارنا حول زيف التاريخ المتوارث والتشكك فيه، وحول حقيقة الإنسان الحائر في وجوده أبداً وعمّا يبحث عنه .
 مواضيعٌ فكريةٌ هامة كالهوية والانتماء والخلود والقلق والبحث عن المصير، وعدم وجود قيم وقناعات راسخة ثابتة، فشيوعو الأمسِ متطرفو اليوم، وعدو البارحةِ حليفُ اللحظة، ومبررات للقتل في كل الأزمنة، ففي كل شخصية عاشها البطل، هناك مبرراتٌ لجماعةٍ لتتخلص منه، ليبقى ذلك التاريخ الدموي مزيفاً ونصيراً للجماعة المنتصرة ولو وفق منظور عقائدي وطائفي يحكمه منطق السائد هو الأعظم والحقيقي . 
هذا الرواية التي تقل حجماً عن روايات المؤلف السابقة تخلق جواً غامضاً ومثيراً للجدل، وحاجة لقراءة بعض الأحداث ثانياً وثالثاً للربط والمقارنة، وعندما تسيطرُ الفكرة على الانسيابية، هنا يبرز دور القارئ العنيد في مواصلة السير للولوج وملامسة المفاتيح الحقيقة التي تفتح فضاءات النص على مصراعيه. قراءة في رواية /الأفغاني :سماوات قلقة /

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 4
تصويتات: 4


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات