القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 109 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

مقالات: العيد الذي ينساه أطفالنا

 
الأحد 27 تموز 2014


إبراهيم اليوسف

ما الذي يقوله العيد للدم؟، سؤال يمكن أن يطرحه المرء، وهو مسكون بألهبة النار التي تستعر في روحه أنى شاهد بأم عينيه منظر الأطفال تستهدفهم القذائف، تخترق أجسادهم الغضة، تمزقهم أشلاء، وهو حال آبائهم، وأمهاتهم، حال جيرانهم، ومعارفهم، حال أبناء شارعهم، بل أبناء حيهم، وكل مدينتهم الصامدة،  بل حال أشجارهم وهي تدفن في لحائها، وبيوتهم وهي تتهدم فوق رؤوسهم أمام أعين العالم جميعاً،]دوابهم، ودواجنهم، تختلط لحومها بلحوم أصحابها، الآدميين، معابدهم وهي تدمر، من دون أن يفعل أحد شيئاً لإيقاف نهر الدم الذي يجري.


مؤكد، أن العيد نفسه ليقف ذاهلاً أمام هول ما يراه بأم أفراحه التي يرفل فيها-عادة- بل إنه ليغدو مع وقف التنفيذ، لأنه لا يمكن للفرحة أن تكتمل، بل وحتى أن تبدأ مادامت هناك غصة في حلق أي أمرئ من حولنا، ومادامت أن هناك أنة تعتصر الروح، أو ألم بشري نشمُّ رائحة نشيشه، فالعيد تتويج لحالة الفرح، وفيه من الترف الذي يمني به المرء نفسه الكثير، حتى وإن كان ذلك محض افتراض، وكأن العيد ممحاة الروح مما يعلق بها من غبار حركة الزمن، أو وعثاء الهرولات على دروب الحياة.
 
ينام الطفل في بيته، عندما تفرخ الحرب مجازرها في كل الأمكنة، كي يستيقظ في المشفى، دون أب وأم أو أشقاء يحرسون جرحه المفتوح، إن لم يلحق-هو الآخر-بهؤلاء، أمام الهدايا التي توزعها طائرات الموت بهندسة مسبقة، أو خبط عشواء، حيث لا فرق بين الحالتين، مادامت آلة الموت تحصد أرواح الأبرياء، بل لا فرق بين الأبرياء ذواتهم، وهم في حلب إبراهيم، أو رقة الرشيد، أو كوبانية البرازي أو موصل أبي تمام أو الموصل، أوفي لجج عنوانهم الغزي، وكأن لهؤلاء جميعاً شجرة واحدة يشكلون فروعها، تجمعهم رابطة الدم، وهوما يجعل القاتل نفسه، غير متقيد بمجرد لون بزة عسكرية واحد، أو لغة واحدة، فهومن فصيلة الوحوش التي تجد في فرحة الآخر مدعاة حزنه، وفي حضور الآخر غيابه، وفي تنفس الآخر الهواء ما يضيق عليه الخناق ويجعله يستشعر بغرغرة الموت، ولذلك فإنك تراه يستهدف كل ما هو مضيء في الحياة، كي تعم ظلمته، هذه الظلمة التي تمكنه من نشر ظلمه، في الاتجاهات كلها، بما يجعله مطمئناً على ديمومة عيشه، من خلال قتل الآخرين، بكل ما أمكن من أدوات تساعده في تحقيق معادلة بقائه.

قصص وحكايات كثيرة تتوالد، تصل مرحلة الأسطرة، تحت ظلال القذائف وهي تستهدف المكان، كلها أكبر من أن يتناول الحبر ولو القليل منها، لأن لا مدونة في إمكانها أن تسع أرومة الآمال وهي تتلظى -بغتة- في المحرقة المفتوحة على ابن الأرض من قبل القاتل الدخيل، القاتل الذي يفتقد ألفباء الأخلاق، بل هو يصنف في خانة المجرمين،  كما أن لا مدونة يمكنها أن تصف حجم الحرائق في روح ثكلى يفور لبن صدرها من منابع حنوها أنى ذكر اسم ابنها، أو أنى لمحت آثار أنامله على الطين الذي يعبق برائحة دمه، ولا انكسار يعادل مرارة الإحساس بالفجيعة التي تتولد من جراء غياب أسرة واحدة من مجلد الحياة، من دون أن يعود أحد منها، ليتابع إشادة أحلامه الصغيرة أو الكبيرة.

أجل، ولهذا فإن الحبر يواصل ارتباكه، أنى أريد له أن يقتفي أثر الدم، يوثقها في الكراريس التي تنتظره، مادام أنه واثق أن مهمته المحرجة أكبر من مقادير الكيمياء التي هادنته، وارتكابات الرصاص لفعل الفناء القسري، للأرواح التي تزهق، والبيوت التي تفرغ من ذويها، والمدارس التي تحول إلى مقار للقناصة، والمستشفيات التي تقطع الكهرباء عن حواضن ما فيها من خدج، أو مرضى وجرحى في غرف العناية المشددة، أو العمليات، وهي مشيئة غرف عمليات أخرى، تتقفى أثر كل ما هو جميل كي تمحقه.

يتوارى العيد خجلاً، ساحباً أذياله، وهو يرمق المشهد في المكان، في ذروة تأججه، و ترمده، قبل أن يبدأ دورة الحياة الجديدة، يعيد معه، وهو يعود القهقرى، على رؤوس أصابع رجليه، أكياس السكاكر، وباقات النرجس والقرنفل، يتوجه بها إلى أقرب مقبرة، كي يرى عصافير الدوري الفزعة تلوذ بالأتربة الرطبة، بعد أن تهدمت أعشاشها، بعد أن غابت الظلال التي كانت تستأنس بها، كل شيء تبدل: أصوات المآذن باتت موغلة في نشيجها، ضحكات الطفولة لم يعد لها من أثر، النسيم يسير أعرج محملاً برائحة البارود والديناميت، الأشجار العالية أجهزت عليها الجرافات، هو موقن-حقاً- في قرارته أن ملامحه يشكلها هؤلاء البسطاء الذين كانوا أكثر من يحبونه، و هو هم الآن في مهب الفجيعة والمجازر المفتوحة، من كل حدب وصوب.

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 5
تصويتات: 10


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات