القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 108 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

سيرة ظل

 
الجمعة 12 تموز 2013


  صالح برو

عندما أنهى الليل مهامه, طوت السماء شراشفها المتسخة من أثر حوافر السحاب الذي مر عليها كضيف ثقيل، وبعد برهة من صلاة الفجر استيقظ الصباح متأخراً كعادته، متجهاً نحو الشرق ليرتدي سترته الكئيبة على عجل، مسرعاً إلى عمل أضناه.
لم تكن تسنح له الفرصة أن يبلل وجهه ببقايا ضحكة الأطفال المرتسمة على سطح الماء الذي يمر بمحاذاة البلدة المنسية في سجلات العالم، حيث نسقت في أرشيف الأرض، ولم يكن لديه الوقت الكافي أن يتناول لقمة مطعمة بدخان الخبز "المحمص" الذي يتطاير من فوهة تنور، يصغي إلى دعاءات العجائز مردداً بالقبول.


ونشيد الطبيعة المبحوح بدأ يتعالى بزقزقة العصافير الملتحمة بنسيج من هديل الحمائم، وصهيل الجياد مع صبغة من حفيف الأوراق المتراقصة، حيث شعار الديكة موازٍ ضمن مظاهرة سلمية منظمة، ترعاها ملائكة السلام، لافتات وأعلام تراقص خصر الهواء، ودفء المعاني يزداد اتساعاً، يضم لجوء الرياح، صرف المؤونة للأيام النحيفة، رفض ختان الأحلام.
حينها استأذنني ظلي، ببضعة كلمات لطيفة ليتجول في أرجاء المشهد كعطلة، ليوم واحد فقط. أومأت إليه براسي ساكتاً، فأجابني قائلاً:
- أراك تقسو علي كل صباح, ألست مثل هؤلاء  يتظاهرون كما يحلو لهم، مشيراً نحوهم بيديه اللتين تجتاحهما خصلات الشمس، إذ كانت تجره سفيراً نحو العدم، وهو في غفلة من أمره.
وقتها انتفض قلبي واكتظ بالحيرة، كاد أن يتلفه الصمت، والخوف معاً من أثر إشارات مدفونة في مخيلتي لم يتحين سطوعها بعد، بحثت بين الذرائع التي ورثناها مع الهزيمة عبر العصور، حتى التقيت بإحداها الأكثر قبولاً.
- لا تجيد قراءة الاتجاه.
فامتلأت عيناه بالدموع كخزانين مليئين بالماء يكفيان لسقاية مئات الفصول قحطاً، وانزلقت قطرة، قطرة على وجنتيه اللتين تسعان ألف قارة صالحة لزراعة الجبال، رست بالقرب من ضفة شفتيه، لتشكل خريطة نهرين بعدة روافد، تستطيع أن تغتسل بها النجوم توكيداً للصلاة.
فصار يركلني تارة، ويتخبط على الأرض التي تسنده تارة أخرى، ساعد على إثارة الغبار بيننا لغة مراهقة، تلاشى فيها بين الفينة والأخرى، مصراً علي بدلال ودلع، استغلالاً لطبعي اللين.
وضعتُ قلقي يميناً وشكي يساراً، توددت إليه محذراً، مسّدت بعينيّ وجنتيه المكسوتين بملامحي على قبول الطلب.
فوعدني ألاّ يبتعد أكثر من الحدود المتاحة له مسبقاً، بدل قمصان العرق المتصبب من جسدي، وزر أكمام رائحتي المتبخرة، وقبّل صمتي المستسلم وحيداً للعراء. ضمني إلى صدره المليء بذكرياتي المسكونة في كهوفه، أطلق ضحكة كادت أن تمزق أذن الخوف، حيث انسلخ عني، تحرر من جسدي وكأني امرأة أسيرة تطرح جنيناً لرغبة أرادها القدر.
راح يركض عبر الفناء، يمضي طليقاً يمدحني، يعدو خلف سجاجيد الضوءِ للشمس بعدما سلم ساقيه للريح، ومن بعيد سمعت أغنية على شكل غيمة لا يفهمها أحد سوى الله. تاركاً خلفه جسداً عارياً واستقلال نهار واحد سقط سهواً من حمالة السماء. يلتقي بعض الشيء مع حكاية الظل لأندرسن. جلست بجانبي كأنني سواي، فأشفق السكون عليّ، أخذ بيد قلقي مواسياً  بالصبر،كما ربت على كتف شكي بالتأني، ثم سقى نصف قلبي الباقي بزمزم الانتظار، وهدأ من روعة وسواسي بالتعويذتين.
فعدت إلى داخلي من خلال أرائك الأمل التي تسندني، وتركت باب الشوق مفتوحاً على مصراعيه، كي لا يغتاله المغيب ريثما يعود مبتلاً بالندم, حاملاً على أكتافه أحلامه النازفة.
ومن أولى خطواتي التقيت بصور تركها ناسياً في ممراتي, وقصائد دونها خفية عني. رحت أقرأ طفلاً يتقلب في التراب، يسأل عن ضحكة لم تكن تجيد العوم غرقت في محيط من البكاء، وطفل آخر يرقد في سرير نومه المظلم بانتظار الشمس، يقذف أحلامه صوب السماء أملاً في التقاط الضياء المعلق خلف الخفاء، فتعود إليه ملطخة بالخيبة سرعان ما داهمت  الذاكرة وجهي المعلق بشوكة الانتظار، تصيح متسائلة عنه بأسلوب مجحف، وكأني متهم بدعوة تجنيد الظلال. وقتها انزلق لساني طوعاً عن مصطبة فمي مرتجلاً:
- ذهب ليلخص منهاج الحياة صفحة.. صفحة، ليعد الصمت سطراً.. سطراً, ليسن الحرية قطعة.. قطعة, ويكسو الهواء رداء الصفاء، راح يحرر أسفاراً مبتورة في جسدي كان أسيراً فيه ويسقي حواس الشمس المطرودة من مؤسسة السماء التي سقطت على رابية هناك حيث كنا نجفف عليها أحلامنا الرطبة، ذهب ليرمي الكآبة في مزبلة لا تصلح أن تسير مع ماهية الحياة، ليستأصل قدرا يرتديه، ويجمرك حرية نهار واحد، كي يغتسل خلف حدود أمنية بعيدة، لعله يجلب معه فكين ضاحكين، يزرعهما في فمٍ باك.
دهشت عما جسده لساني من مشهد (مونو درامي) أضفى الزبد عليه حضوراً مريعاً، وأذناي أصابتهما الغيرة من موقف لم يكن متوقعاً أن يتخذه لساني. فالتقطت بدورها رائحة ظل أسير، كانت الرياح كفيلة أن تحمل إليّ برقية من رائحة دمٍ سيّال، يستجدي بمنظمة معنية بحقوق الأحلام.
تقوى على سد النـزيف بأمطار محملة بأثداء الطيور، هكذا وبمحض الأمل دوماً، تطلينا خيبة الاحتمالات، فندنوا من حفر المسافات، نستخرج الليل من بئر آلامنا، حلة أدمنت على الظلام، حينها عرفت أن ظلي يحاصره الظلام هناك. يناديني باكياً، مناجياً بارتجاف.
أوقفت صنابير الوقت مسرعاً، رأيته يلهث بفم جاف.
يحتمي  بظل شجرة  متآكلة الأطراف، والدم يسيل من ركبتيه التي خدشت بين أنياب الظلام. داهمت فضاءات العتمة وقذفت سهام صوتي نحو صهيل الخوف، فأصبت أضلاع الظلام عندما أرخى سدوله ليقع جريحاً بعيداً، والتفتُّ إلى هيئة ظلي المذعور، فارتمى على صدري، والتصق بي، معتذراً تائباً، وهمس في أذني ليس لي سواك، ارتدى كل منا الآخر، كما سمعت صوت ارتطامه عندما تدحرج واستقر في قاعي. وهكذا عدنا كلانا نجر أذيال الخيبة على مضض عند حلول المساء.
وفي الطريق الذي يسير بنا مع الإختفاء التدريجي للقمر خلف السحاب، انتابني إحساس مجهول تعودت عليه دائما من خلالي، حافظت على مشيتي الهادئة، كي لا أصطدم بصخور الشكوك،  فيستيقظ ظلي مفزوعاً على أثر رضوضي.
لم يكن باعتقادي أنه لا يزال ساهراً، يقرؤني رواية ممسوسة فاجأني بطرفي سؤاله:
- أليست لك رغبة في التدخين بعد إقلاع مضت عليه عشرات السنين.
- وما شأنك برغبتي؟
- وهل نسيت؟
- لا لم أنس أنك ساعدتني بذلك، قل لي ماذا تريد؟
- ألغيتُ رغبة التدخين من أيامك حفاظاً على لوحاتك التي رسمتها في قاعي, ولكن أتلفها الظلام هناك، وما تبقى منها لا يصلح سوى شاهدات للقبور، فتركت اثنتين منها لقبرينا.
لحظات مع سبابة الموت مرت بنا، تشير إلينا لتختار أينا الأول؟
فراح كل منا يرفع ملامح صمته معاً, تركنا معلقين برغبة تعبث بكلينا، وأد الظلال؟، أم وأد الرجال، في زمان لا فرق بينهما، فرحت أختلي وحيداً بذاكرتي الاحتياطية، كنت قد وفرتها لي قديماً خفيةً عن ظلي، بحثاً عن مصنفات تحوي دراسات ومعلومات كاملة، كنت قد أجريتها عنه, ساعدني السحاب وحلكة الليل على ذلك إذ حجبته عني لبرهة، واجهت نفسي بتلك الملفات مقارنة بي.
لم أكن  سوى حقيقة عبء وعار عليه،ومع كل ما اقترفت بحقه من حماقات، كان مطيعاً،علماً أنه على دراية من أمري بأني لست جديراً في تولي قيادته، ولم يحسسني ذات يوم أنه يفوقني جمالاً وطولاً، وعلى الرغم من ذلك كان يخطو خلفي خجلاً،. فقررت الاعتراف له عن كل شيء، ثم طلب العفو والسماح منه، أشعلت عوداً من ثقاب، كي يجمعني به, كان بحوزتي دوماً كمفتاح مضاد للظلام, ولكن لم تسمح لي الريح بذلك, أطفأتها وبدأت المعركة ترفرف راية الوجود بيننا, الموت والريح، أنا وأعواد الثقاب، وسيل من العرق يتصبب في جدول الموت شراباً، نما عليه منقار الريح.
نبهني الكبريت بآخر عود يحدد مصيري، حيث دخلت النار رشيقة، تحت ضربات الريح من جهة، وأنياب عزمي من جهة أخرى، وكأنه في حفلة راقصة، فاستيقظت من هولي على ضحكة الظلام الذي صار على بعد قارتين من ذاكرتي، إذ لا أثر لصاحبي، ومنذ تلك الفجيعة أصبحت عنواناً، و مزاراً  لظلي الفقيد...!.

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات