القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 100 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

مقالات: محاقن الأفيون

 
الأثنين 12 كانون الأول 2011


د. آلان كيكاني

تُرى من على بعد أميال , فارعة تتهافت إلى العنان , بيضاء في جلها , تسر الناظر , تزينها في الليل أنوار متلألئة ذات ألوان يغلب عليها الأخضر , مدببة من الأعلى , تشبه محاقن طبية منتصبة ولصق كل منها قبة , تأسر قلوب المصلين فيؤمونها , كثيرة العدد , تُرى في كل قرية وقصبة ودسكر من أرض كردستان التركية إذ لم تخلُ جنبات الطريق منها وأنا أسلك طريق دياربكر بدءً من الحدود السورية التركية ومن دياربكر إلى الرها ومنها إلى ضفاف الفرات حيث يسكن البعض من أقربائي  لأحلَّ ضيفاً عليهم ليومين اثنين على مضض وألم للمرة الأولى مذ أن خلقني الله وأظنها - بل أكاد أجزم - أنها ستكون المرة الأخيرة رغم الطبيعة الخلابة التي تتمتع بها قريتهم ولكن الطبيعة الجميلة لا تسر ولا تسعد إذا كان ساكنها قبيحاً .


التزام الصمت هو الدواء الناجع في حال الجدال مع أناس يتسمون بالجهل والعناد والقدرة على الكلام دون كلل أو ملل وهم المتشدقون الذين قال عنهم النبي محمد أنهم يظاهرون العلم لكن في باطنهم هم جهلاء فحذر أتباعه منهم لأنهم جالبون للصداع ورافعون لضغط الدم دون أن يُنال منهم شيئٌ فهم مثل الطبل صوته مدو لكنه أجوف لا يحوي باطنُه سوى الخلاء . الصمت هو ما التزمت به في سهرتي مع أٌقربائي في إحدى القرى التركية القريبة من قضاء (خلفتي) مسقط رأس الزعيم الكردي الأسير عبدالله أوج آلان , حللت بها بعد رحلة شاقة من آمد إلى الضفة اليسرى لنهر الفرات . لم يكن صمتي لضعف في قدرتي على الأخذ والرد في الحديث ولا لخوف من أحد الجلوس من أن ينقل الحديث إلى مراكز الأمن التركي وهو أمر دارج في عرف الكرد في تركيا ولا لحياء فيني ولا لاستعلاء في طبعي ولا لجهل , وإنما التزمت الصمت لأن كلامي لو قلته لما فهمني أحد  فالجلوس جهلاء حتى النخاع ويرتمون في أحضان ملالي مشبوهة يعلمونهم من الدين الجهل والدروشة لا العلم والإباء فهذان الخصلتان أعني العلم والإباء في الشخصية الكردية لا يتماشيان مع مشروع حكومة العدالة والتنمية لأنها حتماً ستخسر أصواتهم إن هي سلحت مثل هؤلاء المواطنين بهذه الصفات الحميدة , هذه الحكومة تزرع ما تشاء داخل أقحاف المواطنين الكرد , تزرع الجهل والعبودية والطاعة العمياء لـتأتي فترة الحصاد كل أربع سنوات وتحصد محصولها على طبق من ذهب : أصواتهم , وتبرمج آذان الكرد على موجة أثير سمومها المنبعثة من أفواه ملالي ديدنها التسبيح بحمد سدنة العثمانية في اسطنبول وقونية بحيث يستحيل على الكردي سماع غير ما تهوى الدولة . وصلت إلى وجهتي قبل صلاة الجمعة بساعة لذلك كان أول ضيافة قدمها لي قريبي مراد ذي الخمسين خريفاً هي الدعوة إلى صلاة  الجمعة في مسجد القرية التي لا يتجاوز عدد بيوتها العشرين وكلهم أبناء عمومة وخؤولة , دخلنا المسجد وكان مكتظاً رغم صغر القرية وصلينا السنة النبوية ثم استمعنا إلى خطبة الجمعة التي ذيلها الملا بدعاء للدولة التركية المسلمة وقادتها الرشيدين ثم بدعاء على أؤلائك الشيوعيين الملحدين الكفرة أعداء الدولة المجرمين الذين يختبؤون في الجبال ويمارسون فيها الرذيلة مع عاهرات يصطحبونها معهم وينتهزون الفرصة لإراقة دماء المسلمين في تركيا داعياً الله أن يمحقهم ويعذبهم أشد العذاب , ثم صلينا ركعتي الفرض وعدنا إلى بيت مراد والتم علينا رجال كثيرون من أهل القرية لإلقاء التحية على ابن عمهم الغريب الطبيب القادم من خلف الحدود لأول مرة ثم كان العشاء ثم السهرة التي جذبت وجوهاً جديدة من أهل القرية حتى لم تعد مضافة مراد تسعنا فجلس البعض على عتبة الباب والحديث جر الحديث حتى كان موعد نشرة الأخبار في إحدى القنوات التركية وكان الخبر الأبرز في تلك الليلة عن قصف جديد للطائرات الحربية التركية لمقاتلي حزب العمال الكردستاني فصمت الجميع وسلموا آذانهم للتلفاز وظهرت الطائرات تحوم فوق جبال قنديل , تروح وتجيء تعلو وتنزل باحثة عن أي شيء يدب على الأرض لتقصفه حتى طال صمتنا وانتظارنا لما ستفعله الطائرات وحتى سيطر الضجر على القوم ولم يعودوا يتحملون المزيد من الانتظار وكأنهم يرقبون مباراة لكرة القدم وفريقهم على وشك تسجيل هدف في مرمى الخصم واقتربت الكرة من المرمى فصعق مضيفي مراد بصوت عال قائلاً : هيا , هيا أيها النسر , الق الحمم على أولائك الكفرة المرتدين , هيا احرقهم وساوهم بالأرض  . ثم ظهرت بعض المقاتلات الكرديات في سياق العرض الخبري فقال آخر من الحضور : أنظروا , هؤلاء العاهرات يريدن قتال جنودنا الشجعان , خسئن وحق الله , لم يخلق الله بعد أحداً يستطيع النيل من جنودنا لأنهم أحفاد المجاهدين لذلك فالله معهم . ثم ادار الرجل وجهه باتجاهي وقال : وحق السماء يا دكتور , بعينيَّ هاتين رأيت مشهداً لا أنساه أبداً , كان ذلك في حربنا لتحرير أخواننا في قبرص من ظلم الكفار في سنة 1974 , كنت حينها جنديا في الجبهة , شاهدت وشاهد المحاربون جميعاً كيف كان أصحاب الثياب البيضاء يحاربون معنا لقد أنزلوا دبابة لهم على رأس جبل وبدأوا بدك معاقل اليونانيين الكفار . قاطعته قائلاً ومن هم أصحاب الثياب البيضاء فنظر إلي الرجل من زاويتي عينيه نظرة يريد منها جهلي واستغبائي وقال بصوت عال : جنود الله يا دكتور هم أنفسهم حاربوا مع رسول الله في معركة بدر , الملائكة يا دكتور , والآن هل فهمت ؟!! . يعجز المرء عن معرفة طريقة التفكير لدى هكذا ناس ف(مصطلح) الكردي عندهم ليس له علاقة بالدم أو اللغة أو الثقافة أو الغيرة على الأهل والشرف وليس له ارتباط بالتاريخ والجغرافيا وإنما يطلق هذا على كل من لا يناصر الحكومة فتجد من يقول مثلاً : إن أخي كردي . وعند هذه الحالة عليك أن تفهم أنه يقصد أن أخاه كردي الهوى أو مناصر لحزب السلام والديمقراطية أو حزب العمال الكردستاني لا لأنه يحمل في خلاياه جينات تنتمي إلى الكرد . في طريقي إلى القرية مررت بالرها , مدينة الأنبياء كما يفضل ساكنوها الكرد أن يسموها , أو أورفا في السجلات الرسمية للدولة وهي مسقط رأس إبراهيم الخليل في بعض الروايات وفيها أراد النمرود إطفاء شعلة الخليل وحكم عليه بالموت رمياً في النار . وعلى ذمة الشيخ العلامة الحافظ ابن كثير صاحب المصباح المنير في الشرح والتفسير أن الكرد هم أول من اخترع المنجنيق في الرها أيام النمرود وإبراهيم الخليل فاستنجد النمرود برجل كردي يدعى ( هَزَن ) لصنع منجنيق يرمي به خليل الله في النار , فبنى هزن عمودين على جبل وسط أورفا كذراعين لمنجنيقه وأُشعلت النيران أسفل الجبل ووُضِع الخليل في كف بين العمودين مثل كف المقلاع ورمي باتجاه النار المستعرة أسفل الجبل مثل قذيفة ولكن إرادة الله شاءت أن تحولت النار إلى برد وسلام على إبراهيم فاستحالت النار إلى ماء والحطب إلى أسماك . وتَذكرُ الديانات أن الحيوانات ساهمت في هذه الحملة ضد خليل الله فما كان مؤمناً منها ناصر إبراهيم وما كان كافراً نفخ في النار لتأجيجها تمهيداً لشوي نبي الله وإطفاء نوره الرباني ولكن الله أراد أن يظهر نوره على العالمين فأمر النار لأن تكون برداً على إبراهيم , وهكذا جاءت السحالي وأفواهها مليئة بالماء جاهدة لأطفاء الحريق نقيض الوزغ الذي نفخ في النار لتأجيجها وقد روت كتب الحديث أن عائشة أم المؤمنين كانت كثيراً ما تحمل عصىً في يدها لقتل الوزغ انتقاماً لجدها أبي الأنبياء الخليل إبراهيم . يعتبر مقام خليل الله معلماً سياحياً ودينياً لكرد تركيا يؤمونه من كل حدب وصوب للصلاة والتبريك وطلب المغفرة من الله بجاه خليله جد الأنبياء , ويحذر أهل الرها الزوار من المساس بحياة الأسماك في مقام إبراهيم الخليل لأن استخراجها يجلب الغضب الإلهي ونتائج كارثيه عليه أو على أهله ويحيكون القصص والروايات حول هذا الشأن فيقولون أن فلاناً من الناس سولت له نفسه باستخراج سمكة واحدة من اسماك خليل الله فلم يصل إلى بيته إلا وكان البيت رماداً بمن فيه من أولاده . الأسماك رمادية اللون ويقول أهل الرها أنها ضرب خاص من الأسماك الذي لا يوجد منه في العالم خارج مقام إبراهيم الخليل ويزيدون أن من بين الأسماك سمكة واحدة بيضاء من رآها فتحت له أبواب البخت وأعطاه الله كل ما يريد فترى من يعلق الأمل على هذه السمكة البيضاء يتقرى بعينيه كل شبر من قعر البحرة حتى تحمر عيناه ويغادر . وفي زاوية من مقام الخليل تجد معلماً على هيئة ضريح مكتوب عليه بالتركية والعربية والإنكليزية هذا هو المرقد الأول لبديع الزمان الشيخ سعيد النورسي أو سعيد الكردي الذي اُستُخرجت عظامه من قبره بعد أكثر من ثلاثة عقود من دفنه وأُخذت إلى جهة لا يعلمها إلا الله فمنهم من يقول أنه ألقي في البحر المتوسط من طائرة ومنهم من يقول أنه دفن في جهة مجهولة تفادياً من جعله مزاراً روحياً ووطنياً لأبناء جلدته الكرد . ومن الغريب أن عظام العالم الجليل سعيد النورسي لم تكن على كرامة عند الله مثلما لأسماك مقام إبراهيم الخليل فلم تحترق بيوت آخذيه ولم يناصره أحد من أبناء جلدته في أورفا ما دامت إرادة الدولة شاءت ذلك .
تنتشر القباب والمزارات في طول كردستان التركية وعرضها يقبل عليها الناس للتبريك والصلاة  وطلب تحقيق الأماني ويقدمون المال والقرابين تملقاً وزلفىً , والكثير من هذه المقامات مجهولة الهوية يرتادها الزائر دون أن يعلم شيئاً عنها أهو قبر صحابي لرسول الله عليه الصلاة والسلام أم لأحد الأولياء الصالحين فالعلم عند الله كما قالت لي العجوز الكردية في ديار بكر عندما كانت تبكي وتتضرع في حضرة منشأة على شكل قبر مغطىً بقماش أخضر ومسوَّر بشبكة من الحديد ويقع ضمن السور التاريخي العريق للمدينة , قالت لي العجوز حين سألتها عن سر المكان أنه قبر (هندي بابا) وكان نصيبي من هندي بابا سيل من الشتائم بالتركية من فم العجوز لجهلي وعدم تقديري لمقام هندي بابا وعقاباً منها لي على عدم سماعي به , فهل هناك مسلمٌ لا يعرف مزار هندي بابا ؟ وسعيت بعدها جاهداً لأحصل على معلومة عن الهندي هذا إلا أن أقصى ما حصلت عليه كان من صاحب النزل الذي أنزل به حين قال أن بلدوزر البلدية كان يحفر في هذه الأرض ولكنه عندما وصل إلى قبر هندي بابا تجمد ولم يعد قادرا على الحركة ونصحني هو الآخر للتبرك به والصلاة في حضرته .
محاقنٌ ومحاقنٌ تتراءى لك بصورة ملفتة أينما وليت وجهك في موطن الكرد في تركيا تكتظ بالرواد ومقدمي القرابين . محاقنٌ تحقن الترياق في الوريد التركي وتدفع في دمه إكسير البعث العثماني والنهوض به إلى الحياة بعد قرن من الموت , وتحقن  في وريد الكردي الزعاف والمخدر لينام عن نهب بيته وأرضه وانتهاك عرضه .


 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 5
تصويتات: 5


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات